لم يكن المتحف المخصص لأحد أبرز فناني الانطباعية الفرنسية بمنأى عن عمليات السرقة التي تستهدف المؤسسات الثقافية، إذ اقتحم لصان متحف رينوار في مدينة كانييه سور مير جنوب فرنسا، فجر الثلاثاء، واستوليا على 4 أعمال فنية قبل أن يتركا واحدة منها أثناء فرارهما من المكان .. في واقعة حدثت بعد أقل من عام على سرقة 8 قطع من متحف اللوفر في باريس، في حادث أثار اهتمامًا واسعًا بشأن أمن المتاحف والأعمال الفنية في فرنسا.
ويقع متحف رينوار في المنزل الذي عاش فيه الفنان الفرنسي بيير أوغست رينوار خلال السنوات الأخيرة من حياته، ويضم إلى جانب أعماله الفنية مجموعة من مقتنياته وأثاثه وأدواته الشخصية، من بينها حامل الرسم والكرسي المتحرك الخاص به، ويعد المكان جزءا من تاريخ الفنان نفسه، إذ عاش فيه حتى وفاته عام 1919، قبل أن يتحول المنزل إلى متحف عام 1960.
وفي تقرير لصحيفة «الجارديان» البريطانية، أفاد برايان ماسون، رئيس بلدية كانييه سور مير، بأن شخصين اقتحما المتحف وسرقا 4 أعمال، قبل أن ترصدهما كاميرات المراقبة أثناء الهروب، ما دفعهما إلى ترك إحدى القطع المسروقة، وقدرت سلطات المدينة القيمة الإجمالية للأعمال المستهدفة بنحو 9 ملايين يورو، فيما بدأت الشرطة الفرنسية تحقيقا تتولاه وحدة مكافحة الجريمة المنظمة.
وبحسب المعلومات الأولية، تمكن اللصان من دخول المتحف بعد كسر إحدى النوافذ، قبل أن ينطلق جهاز الإنذار في الساعة 5:48 صباحا، ووصلت الشرطة البلدية إلى الموقع بعد 5 دقائق فقط، في الوقت الذي كان فيه المشتبه بهما قد غادرا المكان، وتعمل أجهزة التحقيق حاليا على تحليل تسجيلات كاميرات المراقبة وتتبع مسار الهروب، إلى جانب البحث عن الأعمال الفنية الثلاثة التي لا تزال مفقودة.
ولا تقتصر أهمية المتحف على الأعمال التي يحتفظ بها، إذ يرتبط المبنى مباشرة بحياة رينوار، الذي اختار الإقامة فيه خلال سنواته الأخيرة، ويضم المكان مجموعة من الأثاث والأغراض التي استخدمها الفنان، إلى جانب لوحات تصور الأشخاص والمناظر الطبيعية والعراة، بما يمنح الزائر فرصة للتعرف على جانب من حياته الشخصية والعملية داخل المنزل الذي كان يعيش ويعمل فيه.
وتأتي السرقة في وقت تواجه فيه المتاحف الأوروبية اهتمامًا متزايدًا من شبكات الجريمة المنظمة والأفراد الذين يستهدفون الأعمال الفنية ذات القيمة العالية، ففي أكتوبر الماضي، تعرض متحف اللوفر لعملية سطو نهارية سرقت خلالها 8 قطع قدرت قيمتها بنحو 88 مليون يورو، فيما ألقي القبض لاحقا على المشتبه بهم، لكن القطع المسروقة لم يتم العثور عليها حتى الآن.
وأشارت وكالة الشرطة الأوروبية «يوروبول» مؤخرا إلى تغير في طبيعة جرائم سرقة الأعمال الفنية في أوروبا، مع تزايد العمليات الانتهازية وظهور مجموعات أقل تنظيما يجرى استقطاب أفرادها عبر وسائل التواصل الاجتماعي، بدلا من الاعتماد فقط على العصابات المتخصصة التي كانت ترتبط بهذا النوع من الجرائم في السابق، ويعكس ذلك اتساع دائرة المخاطر التي تواجه المتاحف، حتى تلك الموجودة خارج المؤسسات الفنية الكبرى في العواصم الأوروبية.
ورغم أن اللصوص تركوا إحدى القطع أثناء فرارهم، فإن مصير الأعمال الثلاثة الأخرى لا يزال مجهولا، بينما تواصل السلطات الفرنسية التحقيق في كيفية تنفيذ العملية وهوية منفذيها والجهة التي قد تكون تقف وراءها.
وتصبح استعادة الأعمال المسروقة هي الأولوية الأساسية للمحققين، خصوصا في ظل صعوبة بيع القطع الفنية المعروفة في السوق المفتوحة من دون إثارة الانتباه إلى مصدرها.
وتكشف واقعة متحف رينوار، إلى جانب سرقة اللوفر الأخيرة، أن حماية التراث الفني في فرنسا لم تعد تقتصر على تأمين المتاحف الكبرى والأعمال الشهيرة، بل تمتد إلى المتاحف الصغيرة والمنازل التاريخية التي تحتفظ بجزء من ذاكرة الفن الأوروبي، وبينما تتطور أساليب اللصوص وتتغير طبيعة الشبكات التي تقف وراء هذه الجرائم، تظل مهمة استعادة الأعمال وحمايتها من الاختفاء الدائم سباقا مستمرا بين المؤسسات الثقافية وأجهزة إنفاذ القانون.
ولد بيير أوغست رينوار عام 1841، وكان أحد أبرز رواد الحركة الانطباعية الفرنسية، واشتهر بلوحاته التي تناولت الأشخاص والمشاهد اليومية والمناظر الطبيعية بأسلوب يعتمد على الضوء والألوان. وانتقل إلى المنزل الذي أصبح متحفه في كانييه سور مير خلال سنواته الأخيرة، حيث واصل العمل رغم المشكلات الصحية التي أثرت على قدرته على الحركة والرسم. وبعد وفاته عام 1919، تحول المنزل إلى متحف عام 1960، ليحتفظ بجانب من أثاثه وأدواته وأعماله وذكرياته الشخصية.
