تمكن فريق من العلماء من إجراء أول مقارنة دقيقة وشاملة بين أدمغة ذكور وإناث ذباب الفاكهة، كاشفين عن اختلافات عصبية قد تفسر سلوكيات مميزة لدى الذكور مثل العدوانية وطقوس التودد وإصدار الأصوات لجذب الإناث، بحسب هيئة الإذاعة البريطانية "بي بي سي".
وأعد علماء من جامعة كامبريدج خريطة كاملة لدماغ ذكر الذبابة تضم نحو 124 مليون وصلة عصبية، بعد عامين من إعداد خريطة مماثلة لدماغ الأنثى.
وأكد الباحثون أن الدراسة لا تهدف إلى تفسير الفروق بين الرجال والنساء، بل تسعى لفهم تأثير العوامل الوراثية في بنية الدماغ واضطرابات مثل التوحد والفصام.
ووصف البروفيسور غريغوري جيفيريس من مختبر البيولوجيا الجزيئية بجامعة كامبريدج هذا الإنجاز بأنه مسار جديد بالغ الأهمية في علم الأعصاب، مشبهاً تأثيره باختراع تلسكوب قوي مكّن العلماء من فهم الكون بصورة أعمق.
وأوضح أن دراسة التركيب العصبي بالتفصيل قد تساعد في كشف الآليات التي تسمح للدماغ بأداء وظائف معقدة مثل الإبداع الفني أو حل المشكلات العلمية.
رغم صغر حجم دماغ الذبابة، الذي لا يتجاوز رأس الدبوس، فإنه يتميز بكفاءة عالية في معالجة المعلومات، ويعد نموذجاً مثالياً لدراسة الشبكات العصبية.
وحلل الباحثون كل خلية عصبية وكل وصلة في دماغ ذكر الذبابة، وجمعوا البيانات في نموذج ثلاثي الأبعاد قبل مقارنتها بخريطة الأنثى.
وأظهرت النتائج أن نحو 95% من الخلايا العصبية تتشابه بين الذكور والإناث، بينما تحمل الـ5% المتبقية اختلافات كافية لإنتاج سلوكيات متباينة.
وأكدت الدكتورة إيزابيلا بيكيت، الباحثة الرئيسية المشاركة في الدراسة المنشورة بدورية "Cell"، أن أهمية النتائج تكمن في تحديد الفروق العصبية بدقة وربطها بوظائف سلوكية محددة.
وكشفت الدراسة أن الاختلافات البسيطة في بنية الدماغ تؤدي إلى فروق سلوكية كبيرة، حيث يمتلك الذكور تركيبات عصبية إضافية تساعدهم على تتبع الإناث بصرياً أثناء التودد، كما أن الدوائر العصبية المرتبطة بالسلوك العدواني أكثر تطوراً لدى الذكور.
ورصد العلماء دائرة عصبية خاصة لدى الذكور مسؤولة عن إنتاج الأصوات لجذب الإناث، وأوضح الدكتور فيليب شليغل أن هذه الدائرة يجب أن تعمل بدقة شديدة، إذ تعتمد طقوس التودد على إصدار نغمات مميزة عبر اهتزاز الأجنحة، ما يحدد نجاح أو فشل التزاوج.
وربط الباحثون الفروق العصبية بجينين رئيسيين معروفين بعلاقتهما بسلوكيات التودد والعدوان وإنتاج الأصوات، مشيرين إلى أن الجديد في الدراسة هو القدرة على رؤية البنية العصبية الفعلية الناتجة عن نشاط هذين الجينين.
وأشار العلماء إلى أن وجود متغير الجنس فقط سمح بتتبع انعكاس الاختلافات الجينية على تركيب الدماغ والسلوك، مؤكدين أن فهم تأثير الجينات في السلوك يبدأ بدراسة كيفية تشكيلها للشبكات العصبية.
ويرى الباحثون أن نتائج الدراسة قد تساعد مستقبلاً في فهم أنماط سلوكية بشرية ترتبط بعوامل وراثية، مثل الفصام واضطرابات طيف التوحد، كما أشار جيفيريس إلى تطبيقات محتملة في الذكاء الاصطناعي وعلوم الحاسوب، حيث يستفيد الباحثون من مبادئ دماغ الذبابة لتطوير شبكات اصطناعية أكثر كفاءة.


