يقول الطبيب النفسي هنري إمونز، مؤلف كتاب "كيمياء الهدوء": إن النظام الغذائي هو الطريقة الوحيدة التي يحصل بها الدماغ على ما يحتاج إليه لصنع المواد الكيميائية التي نسميها الناقلات العصبية، ولذلك عليك تعلم كيفية تغذية جسمك ودماغك، فمن خلال التغذية يمكنك دعم عودتك إلى حالة صحية طبيعية، فما تقدمه لجسدك اليوم كغذاء يصبح فى عقلك غدًا، وبلا شك يؤثر الغذاء على العقل، كما يؤثر العقل على الغذاء، كما يؤثر القلق على حالة الإنسان بشكل عام.
إن أعراض القلق تختلف من شخص لآخر، ويمكن أن تشمل: الأرق، ألم العضلات، التوتر، التهيج، مشاكل النوم، الخوف الشديد والذعر، وأيًا كانت الأعراض التي تعاني منها، يمكن للاستراتيجيات الغذائية التالية أن تساعدك على التخفيف منها، وبناء قدر أكبر من المرونة بحيث يمكنك مواجهة ضغوط الحياة بشكل أفضل.
- استقرار نسبة السكر في الدم: للوصول إلى دماغ هادئ فأنت تحتاج إلى مستويات ثابتة من نسبة السكر في الدم؛ حيث يتم إنتاج الجلوكوز وهو شكل من أشكال السكر من هضم الكربوهيدرات، وينتشر عبر مجرى الدم إلى كل خلية في جسمك، وهو أمر حيوي لعمل النواقل العصبية، مما يعني أنَّ له تأثيرًا كبيرًا على مزاجك.
ولأن دماغك مكتظ بالأعصاب، فإنّه يستهلك نصف نسبة الجلوكوز في الجسم في أي وقت، وإذا استمرَّ نشاطك طويلًا دون تناول الطعام، فقد ينفد من دماغك الوقود اللازم لهذا النشاط، وعندما يحدث ذلك يقوم جسمك بإطلاق الكورتيزول، وهو هرمون إجهاد يفرز الإنزيمات التي تؤدي إلى إنتاج المزيد من الجلوكوز، بسحب البروتين من الأنسجة العضلية، ولعل تأخير الوجبات يضع طلبًا مستمرًا على إنتاج الكورتيزول، الذي يكسر أنسجة العضلات ويترك السكر في الدم أقل استقرارًا، كما يمكن لهرمون الكورتيزول أن يجعلك تشعر بالإثارة والعصبية.
ولعل الوجبات الخفيفة السكرية تخدع خلايا الدماغ في الإفراج عن الناقل العصبي المهدئ السيروتونين، وهذا هو السبب في أننا نتوق إلى الكربوهيدرات والحلويات عندما نكون متوترين، وهنا ينصح الخبراء بتجنب السكريات والنشويات المكررة وتغذية الدماغ كل بضع ساعات بالأطعمة الغنية بالعناصر المغذية، بما في ذلك الكربوهيدرات المعقدة كالخضراوات والفواكه والبقوليات والحبوب، وإشباع الدهون الصحية كالأفوكادو، والبروتين عالي الجودة مثل اللحوم العشبية أو الفاصوليا أو البذور.
- زراعة الناقلات العصبية: ليس المطلوب فقط المحافظة على ثبات نسبة السكر في الدم، ولكن مكوناته الأساسية من الأحماض الأمينية تساعد جسمك أيضًا على إنتاج السيروتونين والدوبامين وغيرها من الناقلات العصبية.
ويحتوي البروتين الغذائي على العديد من الأحماض الأمينية الأساسية، بعضها يساهم في الشعور بالهدوء، وبعضها يثير الجهاز العصبي، فالفينيلالاناين على سبيل المثال يحفز الدماغ عن طريق إنشاء ناقل عصبي يضيق الأوعية الدموية ويرفع ضغط الدم، والتي تحتاجها للاستجابة للقتال مثلًا، وتشير الأبحاث إلى أنَّ أشكالًا مختلفة من الفينيلالانين قد تعالج بفعالية أعراض الاكتئاب، وفي الوقت نفسه يمكن أن يكون للتريبتوفان تأثير مهدئ للدماغ؛ حيث يمكن أن يساعد في تهدئتك.
ولذلك ينصح الخبراء بتناول وجبات صغيرة من البروتينات النباتية، مثل الفول والبقوليات الأخرى، والتي تبطئ عملية الهضم، فيما يختلف العلماء حول فعالية تناول الأطعمة عالية التريبتوفان لمكافحة القلق، ولكن إذا كنت ترغب في التجربة فكر في دمج المزيد من الدواجن والسلمون والبيض في نظامك الغذائي، مع ضرورة الحفاظ على استقرار نسبة السكر في الدم حتى يستمر نقل المواد الغذائية لفترة كافية لإعطاء التربتوفان فرصة للوصول للدماغ.
- تجنب التهاب الجهاز الهضمي: قد يكون التهاب الجهاز الهضمي أحد أهم دوافع القلق، فالالتهاب هو حجر الزاوية في كل شيء سيئ لا ترغب في حدوثه، بما في ذلك القلق المزمن، حسب طبيب الأعصاب ديفيد بيرلموتر مؤلف كتاب "صانع الدماغ"، حيث تشير الأبحاث المكثفة إلى أن القناة الهضمية السليمة تعزز الذهن الهادئ، حيث يتواصل الاثنان عبر العصب المبهم الممتد من الدماغ إلى البطن، وتؤدي تريليونات البكتيريا الموجودة في القناة الهضمية إلى توجيه وظيفة الخلايا على طول ذلك العصب.
ولمزيدٍ من استكشاف كيفية تأثر الصحة العقلية بالأمعاء، يقوم الباحثون بتجريب طرق لتعزيز المزاج عن طريق تعزيز توازن ميكروبات الأمعاء، وفي دراسة حديثة نشرت في مجلة أبحاث علم النفس، أفاد العلماء أن المشاركين الذين تناولوا المزيد من الأطعمة المتخمرة الغنية بمكونات البروبيوتيك لديهم أعراض أقل للقلق الاجتماعي، وتكهن الباحثون أن البروبيوتيك في هذه الأطعمة قد قلّل من قلق المشاركين عن طريق تهدئة الالتهاب في الأمعاء وتشديد المنعطفات بين الخلايا في بطانة الأمعاء، التى تمنع بدورها الجسيمات الغذائية المجهرية من التسرب مع تفعيل نظام المناعة والاستجابة الالتهابية.
وقد دعمت الدراسات اعتقاد العلماء بأن القلق هو اضطراب التهابي فى القناة الهضمية، حيث تم إدراك العلاقة بين القناة الهضمية والدماغ والعلاقة الوظيفية بين الميكروبيوم والمزاج.
ولذلك ينصح الخبراء بالحفاظ على صحة الأمعاء بتناول الأغذية الكاملة، والأطعمة الغنية بالبروتين مثل الزبادي، والأطعمة البيروبيوتية مثل البصل المطبوخ والخام، الكرات والثوم، والتي يبدو أنها تؤثر على الصحة العقلية.
- التركيز على الدهون الصحية: تشكل الدهون ما يقرب من 60 % من دماغك، كما أنها تساعد على تعديل القلق من خلال تمكين الناقلات العصبية من التحرك بسرعة وكفاءة بين الخلايا العصبية، وتلعب أحماض أوميجا 6 وأحماض أوميجا 3 الدهنية الأساسية دورًا حيويًا في صحة الدماغ، ونظرًا لأن جسمك لا يمكنه صنع هذه الدهون من تلقاء نفسه، فيجب عليك الحصول عليها من الأطعمة.
وبشكل عام تلعب أوميجا 6 دورًا مؤثرًا للالتهاب فهي على سبيل المثال تسبب التورم وتجلط الدم استجابة للإصابة، في حين أن أوميجا 3 هي مضادة للالتهاب، وعندما تتناول التوازن الصحيح فإن الحمضين الدهنيين ينظمان الاستجابة الالتهابية للجسم، أما إذا اختل التوازن فإن العكس هو ما يحدث.
ولعل واحدة من أفضل الأشياء التي يمكنك القيام بها للتغلب على القلق هو تناول المزيد من دهون أوميجا 3، باتباع نظام غذائي من مصادر غذائية كاملة غنية بأوميجا 3، بما في ذلك أسماك المياه الباردة مثل سمك السلمون والرنجة والسردين، وكذلك المكسرات والبذور والخضر الورقية الداكنة، مع تجنب الأطعمة المعالجة والمعبأة، والتي تكون عالية في مصادر أوميجا 6 المكررة.
