هناك رؤية شائعة بأن العمل واللعب يقفان على طرفي النقيض، لكنها رؤية خاطئة، فأكثر لحظات الإنتاج والإتقان في العمل تحمل ملامح اللعب نفسها، وأشد الفرق ابتكاراً هي التي تفسح للتجربة والسؤال والمزاح مكاناً بين مهامها.
ويعتقد كثيرون أن الجدية وحدها شرط الإنتاج، وأن المتعة في العمل علامة تراخ، لكن يؤكد عالم النفس المجري الأميركي ميهاي تشيكسنتميهاي خطأ هذه الفكرة بدراسة نشرها عام 1989 مع الباحثة جوديث لوفيفر، تتبعت مئات العاملين عبر إشارات تصلهم في أوقات عشوائية من يومهم، يسجلون عندها ما يفعلون وما يشعرون به.
وجاءت النتيجة مفاجئة، فقد عاش المشاركون حالة انغماس كامل وتركيز في عملهم يغيب فيه الإحساس بالوقت، أكثر مما عاشوا نفس الحالة وهم يستريحون ولا يفعلون شيئا، حيث كانت الساعات بطيئة والوقت محسوس، ويفسر الباحثان ذلك بأن العمل يوفر ما يفتقده الفراغ الخامل، وهو وجود هدف واضح، وتحد يوازن المهارة، ونتيجة يراها الموظف أو العامل عند الإنجاز، وهي للمفارقة نفس الشروط التي تجعل اللعبة ممتعة.
الحرفة حين كانت أقرب إلى اللعب
ولم تكن الصلة بين العمل والمتعة اكتشافاً حديثاً، فيوثق عالم الاجتماع الأميركي ريتشارد سينيت في كتابه "الحرفي"، الصادر عام 2008، أن الصانع القديم عمل مدفوعاً بالرغبة في الإتقان وليس الربح، كان العامل يجرب ويخطئ ويعيد كما يفعل اللاعب، وتوارثت الورش أسرارها بالمحاكاة والممارسة لا بالتلقين. ثم جاء خط الإنتاج الحديث ففصل بين اليد وثمرة صنعتها، وحول العمل حركات مكررة لا يرى صاحبها ما تنتهي إليه، فخسر العمل كثيراً من روح اللعب التي حملته قروناً.
الفريق الذي يجرب يتعلم أسرع
وتنقل أستاذة الإدارة في جامعة هارفارد إيمي إدموندسون هذه الصلة إلى فرق العمل الحديثة، فقد درست منذ عام 1999 عشرات الفرق في المستشفيات والمصانع والشركات، وقاست ما تسميه "الأمان النفسي"، وتقصد به اطمئنان الموظف إلى أن سؤاله لن يجلب له سخرية، وأن اعترافه بالخطأ لن يعرضه لعقاب.
ووجدت أن الفرق التي يسود فيها هذا الاطمئنان تتعلم أسرع وتبتكر أكثر، لأن أعضاءها يجربون ويسألون ويكشفون الخطأ مبكراً قبل أن يكبر. وتشبه هذه الروح ما يحدث في الملعب، إذ يجرب اللاعب تمريرة جديدة وهو يعلم أن الخطأ جزء من المباراة لا نهاية لمكانه فيها.
صناعة جادة تصنع اللعب
وتقدم صناعة الترفيه الكبرى الدليل الأوضح على أن الجدية واللعب يكمل أحدهما الآخر. فخلف كل وجهة منها يعمل آلاف المهندسين والفنانين والمشغلين بأدق معايير السلامة والجودة، ويكرسون هذه الدقة كلها لهدف واحد، أن يلعب الزائر ويضحك وينسى يومه بأمان تام. فلا يصنع اللعب المتقن إلا عمل جاد.
وتكشف الأرقام حجم هذه الجدية، فيرصد تقرير PlayNEXT الدولي عن مستقبل الوجهات القائمة على اللعب مشاريع ترفيهية جديدة مخططاً لها حول العالم تتجاوز 80 مليار دولار حتى منتصف الثلاثينيات، ويتجاوز سوق السياحة الرياضية وحده 600 مليار دولار في عام 2024، وتقدر ماكينزي وسكيف الفرصة الكامنة في اقتصاد التجارب بما يفوق تريليون دولار. ويصف التقرير التجربة بأنها بنية تحتية تُخطط وتُهندس كما تخطط الطرق والجسور، فقد صار اللعب عملاً يستثمر فيه العالم كما يستثمر في أصلب قطاعاته.
تلتقي هذه الدراسات عند فكرة واحدة، فالإنسان لا ينتج أكثر حين يقسو على نفسه، بل حين يجد في عمله ما يجده اللاعب في لعبته، هدفاً يراه، وقاعدة يحترمها، ومتعة لا تنتظر نهاية الشهر.




