أعاد إعلان شركة «أوبن إيه آي» عن نجاح نظام ذكاء اصطناعي تابع لها في حل معضلة «نافييه-ستوكس» فتح جدل واسع داخل عالم الرياضيات حول مستقبل البحث العلمي ودور علماء الرياضيات، بعدما أنجز النظام المهمة في أقل من أربعة أيام مطلع سبتمبر، في وقت حذر فيه 25 من الحائزين ميدالية «فيلدز» من «تأثير مدمر» محتمل للذكاء الاصطناعي على الأبحاث الرياضية.
ووصلت تداعيات التطور إلى حد وصف تيرينس تاو، الحائز ميدالية «فيلدز» عام 2006 وأحد أكثر الشخصيات تأثيرا في مجال الرياضيات، ما يحدث بأنه تسبب له في «اضطراب شديد جراء أزمة وجودية في مجالي»، في تعبير عن حجم التحول الذي أحدثته قدرات الذكاء الاصطناعي في معالجة المسائل الرياضية المعقدة.
وفي مطلع سبتمبر، تمكن نظام ذكاء اصطناعي متطور من «أوبن إيه آي» خلال أقل من أربعة أيام من حل معادلة «نافييه-ستوكس»، التي وضعت صيغتها النهائية عام 1845، وظلت عصية على أجيال من علماء الرياضيات الذين عملوا على هذه المعضلة على مدى عقود.
ويرى الأستاذ في جامعة كورنيل ستيفن ستروغاتز أن التطور قد يوسع بصورة كبيرة قدرة الذكاء الاصطناعي على التعامل مع المسائل الرياضية، قائلا: «إذا اختارت هذه الأنظمة دراسة المسائل التي تهمنا في أبحاثنا، فقد تتمكن من حل تلك المسائل بسهولة».
ولم يعد الجدل مقتصرا على قدرة الذكاء الاصطناعي على الوصول إلى الحل، بل امتد إلى الطريقة التي يعمل بها وإلى الدور الذي يمكن أن يبقى لعلماء الرياضيات مستقبلا. وقال أستاذ الرياضيات في جامعة نورث وسترن أنطونيو أوفينغر إنه قبل عام واحد فقط كانت هناك «هلوسات مستمرة» في عمليات الاستدلال التي تنفذها نماذج الذكاء الاصطناعي، حتى الأكثر تطورا منها، مضيفا: «اليوم، بات بإمكان الذكاء الاصطناعي صوغ سلاسل طويلة من الحجج المنطقية» من دون الخروج عن المسار الصحيح أو إطلاق نظريات تعكس ما يشبه الهذيان.
ورغم اعتماد الباحثين على هذه التكنولوجيا منذ فترة طويلة، فإن نهج «أوبن إيه آي» يختلف في أن النظام منح الذكاء الاصطناعي زمام المبادرة والتحكم الكامل في العملية.
وكان إيلون ماسك قد توقع في يناير أن يكتسح الذكاء الاصطناعي مجال الرياضيات ويحدث فيه تغييرا جذريا خلال عام واحد، وقال إن «الرياضيات ستصبح أمرا عاديا للغاية بالنسبة للذكاء الاصطناعي». وجاء ذلك في سياق حديثه عن شركة «إكس إيه آي»، التي أصبحت تعرف لاحقا باسم «سبايس إكس إيه آي».
لكن الإنجاز لم ينه الجدل حول مصدر الأفكار التي قادت إلى الحل. وقال أستاذ الرياضيات في جامعة نورث وسترن بنجامين أنتيوه، رغم شعوره بـ«الصدمة والذهول»، إن نظام «أوبن إيه آي» لم يبدأ من الصفر، بل «سار على خطى علماء رياضيات آخرين كانوا يطورون هذا النهج لحل المشكلة منذ سنوات».
ويرتبط هذا النقاش بصورة أساسية بباحثين إسبانيين هما تريستان باكماستر وليفنت ألبوجي، اللذان ألهما هذا الاتجاه أيضا. ويؤكد الباحثان أنهما كانا على وشك التوصل إلى الحل قبل «أوبن إيه آي»، ويتساءلان عما إذا كان عملهما قد تعرض للسرقة الفكرية، وهو ما تنفيه الشركة الناشئة التي تتخذ من كاليفورنيا مقرا لها.
وفي المقابل، يقدم باحثون آخرون صورة مختلفة عن العلاقة بين الذكاء الاصطناعي والإبداع البشري. ويرى الأستاذ في جامعة ستانفورد محمد أبو زيد أن «هذا الأمر يوسع نطاق ما يمكننا إثباته، لكنه لا يزيد من مدى الأفكار التي يمكننا استكشافها»، مضيفا: «لا نرى قفزة إبداعية من شأنها أن تضفي جديدا على علم الرياضيات».
وفي السياق نفسه، نجحت الأستاذة في معهد كاليفورنيا للتكنولوجيا أنيما أناندكومار وفريقها في حل صيغة مبسطة لمعادلات «نافييه-ستوكس» تعرف باسم معادلات «أويلر»، بالاستعانة بنموذج للذكاء الاصطناعي لم يعتمد على أعمال سابقة.
ولم يكن النموذج المستخدم من النوع الذي يشغل «تشات جي بي تي» أو «كلود»، بل كان نموذجا يعرف باسم «الشبكة العصبية المستنيرة بالفيزياء»، ويجمع بين البيانات وقوانين الفيزياء.
وقالت أناندكومار: «يمكن القول إن أوبن إيه آي اعتمدت على البشر أكثر مما فعلنا نحن»، موضحة في الوقت نفسه أن فريقها اضطر إلى وضع «تصميم» من أجل «جعل النموذج يعمل»، وهو ما قالت إنه «يتطلب قدرا كبيرا من الإبداع» البشري.
وأضافت أن الذكاء الاصطناعي قد يكتسب مستقبلا مزيدا من الدقة والقدرة على استيعاب التفاصيل الدقيقة، لكنها ترى أن مساحة واسعة من الاحتمالات ستظل متاحة للبشر ولا يستطيع الذكاء الاصطناعي الوصول إليها.
ومع تصاعد الجدل، حذر 25 من الحائزين ميدالية «فيلدز»، وهي أرفع جائزة في الرياضيات، الجمعة، من «تأثير مدمر» محتمل للذكاء الاصطناعي على الأبحاث الرياضية.
ودعا تيرينس تاو، عبر شبكة «ماستودون»، إلى استخدام الذكاء الاصطناعي لخدمة علماء الرياضيات بدلا من محاولة استبدال أحدهما بالآخر، مؤكدا أن الوصول إلى الهدف وحده لا يكفي في البحث الرياضي.
وقال تاو: «لقد تحقق الهدف وحُلَّت المشكلة، لكن ما يغيب هو الدروس المستفادة، والآفاق الجديدة، وأشكال التعاون، وتحديد أهداف جديدة».
ويرى أنطونيو أوفينغر أن وجود علماء الرياضيات سيظل ضروريا حتى في حال تمكن الذكاء الاصطناعي من الإجابة عن جميع الأسئلة، موضحا: «حتى لو كان بإمكان الذكاء الاصطناعي الإجابة عن جميع الأسئلة، فسيظل لعلماء الرياضيات دور مهم، لأن المسألة لا تقتصر على معرفة كيفية الانتقال من النقطة (أ) إلى النقطة (ب)، بل تتعلق بطرح الأسئلة التي ستعود بالنفع على المجتمع بأسره».


