Menu


إبراهيم الروساء

عبدالله الروساء.. مرت سنة والأحزان جاثمة

الأربعاء - 5 محرّم 1441 - 04 سبتمبر 2019 - 01:02 م

مرّت سنة على رحيلك يا والدي وكأنها مئة عام، كأنها الطود الذي يجثم على صدري لا يغادرني كل ليلة.. أكتب لك بعد عام لياليه كانت كالحة السواد، شديدة الصمت سوى من ذكراك التي تسابق أحلامي، وهي تستعرض شريط حياتك الممتلئة بكل معاني الجمال.. جمال وبالرغم من كل شيء يأبى إلا أن يتصدر مشهدي كل مساء.

أبتاه.. لم يعد سرًا بأن أيام ما قبل وفاتك ليست كالتي بعدها، وكما أؤمن بأن الموت حق فإن الحزن حق، ارتقت أرواح كثيرين نحبهم من أقرباء وأصدقاء وأعزاء، لكن وخز فراقك يا أبتاه في القلب أنكى وفي النفس أقسى.

أبتاه.. تعلمت الحُزن بعدك وقد علمتني معنى السعادة، وذقت الفراق بعدك حين علمتني طعم المحبة، وقاسيت الضعف بعدك بعد أن منحتني القوة، ومهما تزينت الدنيا بزخرفها، فإن فقد الأب وبكل تفاصيله جرح غائر في كبد الابن، التي لا يشعر بها إلا من اكتوى بنار فراقه وتلظى بجمر ذكرياته.

أبتاه.. إنه وبرحيلك رحلت معك أشياء كثيرة وكثيرة جدًا، وثُلمت حياتنا بعدك ثُلمة لا يدملها مال ولا ولد.. لقد كنت فينا الإلهام والإنعام، مدرسة في كل شيء، في حياتك ومماتك، في حديثك وصمتك، في هدوئك وسمتك، في أمانتك ووقارك، وعن الأخيرة أغبطه، فمنذ رأت عيناي هذه الحياة لم أشاهده إلا ذاك الوقور شابًا وكهلًا.. شابًا تملأه الحياة، وكهلًا ملأ الدنيا تجارب وخبرات.

أبتاه..- رحمه الله- خَبِر الحياة ومارسها بكل أشكالها الصعبة والسهلة واللينة والقاسية؛ إذ لم يولد وفي فمه ملعقة من ذهب، بل جاء لهذه الدنيا عام 1353هـ والأوضاع الاقتصادية والمعيشية في البلاد عموما ضعيفة، فكان مكتوبًا أن يحمل متنة مسؤوليات تفوق بدنه النحيل، فبإزاء البيت الكبير والمكون من جدتي حصة الجمعة وجدي محمد العبد المحسن الروساء وأعمامي وعماتي، رحم الله من توفي منهم، كان هو الأوسط منهم وبحكم ظروف الحياة الصعبة، فإن زرعت في والدي القوة والصبر والجلد والتحمل، فكان يغدو صباحًا للمدرسة السعودية في وسط بلدة المجمعة، ويروح غداة لاستكمال العمل في المزرعة (المتحدرات) مع جدي واجبات المزرعة ومتطلباتها من حفر ورياسة وسقاية، من أجل أن يجدوا قوت يومهم، وبعدئذ يستكمل واجباته المدرسية.

أبتاه.. كانت حياته صعبة لكنه انتصر عليها بصموده وصبره، ونال الشهادة الابتدائية وواصل للمتوسطة ومنها للثانوية، التي تعتبر في تلك الفترة شهادة متقدمة.

اشتهر والدي- رحمه الله- بصلابة وحكمة في الرأي، ونتيجة لذلك قرر أن يغادر مسقط رأسه المجمعة إلى العاصمة الرياض؛ بهدف منشود وهو طلب العلم وهذا ما فعله في كلية الشريعة واللغة العربية بالرياض التابعة للرئاسة العامة للكليات والمعاهد العلمية، قبل أن تنتقل إلى جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية. فتغرّب وسكن ودرس لوحده في قصة نجاح شهدها ذلك الجيل، الذي خرّج الرجال وساعدوا في بناء نهضة هذا الوطن عبر طريق الكفاح والفلاح، وكعادة الظروف التي تواجه والدي حالت دون إكماله الدراسة الجامعية؛ رغم مضي ثلاث سنوات على دراسته لكنه عاد للمجمعة، ابتياعًا لرضا والدته ووالده الذين نالت الظروف منهما وأتعب المرض جدي وفقد بصره، ولم يكن قادرًا على العمل والسير.

بعد عودة الوالد- رحمه الله- للمجمعة، طوّر أسلوب الري وبعد دخول «البلاكستون» انتقل السقي من الطريقة اليدوية التقليدية بالسواني إلى مكينة مخصصة لسحب المياه من جوف الآبار، وأتذكر دائمًا حديثه عن المكينة ومدى فرحته بها.

في تلك السنة تزوج والدي من ابنة عمه والدتي الغالية شيخة عبدالعزيز الروساء- حفظها الله- ولأن أبي لا يريد أن يعيش على الهامش، فقد واصل ركوب التحديات مع كثرة المسؤوليات، ودخل التجارة في مهنة البيع بالتجزئة للملابس الجاهزة والأقمشة، فكان يسافر للرياض وجدة والدمام وظل يمارس هذه التجارة؛ حتى قامت البلدية بتطوير سوق الخميس لتكون على هيئة محلات تجارية منظمة، وكان لوالدي أحدها وتوسعت التجارة أكثر وافتتح محلًا «دكان» في القيصيرة القديمة بالديرة.

شخصيًا لي ذكريات جميلة لا تُنسى في ذلك «الدكان»؛ حيث كانت مكافأتي وإخواني لمن يحل الواجب في وقته، أن يخرج برفقته للدكان ومنه للنخل المتحدرات حتى «بين عشاوين»، أي بعد صلاة المغرب وقبل أذان العشاء؛ لنعود أدراجنا وقبل ذلك زيارة رسمية لدكان القديري من أجل تذوق «الكعك»؛ ليشكل مع الحليب الحار وجبة لا مثيل لها.

بعد فترة، انتقل والدي إلى مضمار الوظيفة الحكومية وتوظَّف في بلدية المجمعة، وتدرج وظيفيًا حتى قرار بفصل البلدية عن مصلحة المياه، وقرر والدي برغبة منه الانتقال لمصلحة المياه مديرًا للتشغيل والصيانة، إلا أن الوظيفة لم تمنع والدي من الاستمرار في خوض التحديات وغمار التجارب، فدخل مجال المقاولات وبنى منزله الأول بنفسه ومن ماله الخاص، ثم استمر في عمل المقاولات وبناء المنازل والشقق وقرر بناء بيت أكبر للعائلة، التي تكبر سنويًا فبعد أن تزوج أعمامي أراد أن يجمعهم في بيت واحد، وهذا ما حصل في منزلنا بحي القادسية الذي ولدت فيه، ويحمل ذلك المنزل ذكريات محفورة لا تُمحى وكل ذكرى أحلى من أختها.

يحرص أبي بعد صلاة العشاء أن ينتظر أن تحين الساعة 9.30؛ حيث يطل وجه المذيع عوني كنانه- رحمه الله- تاليًا أخبار المملكة ومستمعًا لها والدي بكل جوارحه؛ حتى غنه لا يريد أحد منا أن يكلمه أو يقاطعه وقت تلاوة نشرة الأخبار.

في تلك الفترة حدثت لي قصة مع والدي.. كنت في بدايات المرحلة الابتدائية وكان يسألني بشكل دائم «هل شاركت في الإذاعة؟»، كان يحضني ويحثني ويسألني دائمًا وعندما سألته عن السبب قال يومًا ما ستعرف، وأحفل كثيرًا بالسبب ولم آبه بالتفاصيل لكنني أخذت بنصيحة والدي وتقدمت الإذاعة المدرسية واستمررت حتى تخرجت في الثانوية.. وعندها زرعت هذه المعرفة الثقة في نفسي وكانت الإذاعة العتبة الأولى للخطابة والارتجال، وكأن والدي يرى مستقبلي ذلك الحين.

تحديات والدي لم تنته، فعندما جمع مبلغًا من المال قرر إغلاق الدكان وترك المقاولات، ثم فيما بعد التقاعد المبكر من الوظيفة الحكومية، والدخول في معترك العقار الذي كان في بداية ازدهاره بين أعوام 1410 – 1420هـ، وهو ما تم فاشترى وباع وتوسع ووصل لمدينة الرياض والخرج والدمام.

ومن العقار لسوق الأسهم في مغامرة جديدة، بكل استمتاع حيث كان يتحدى نفسه وعلى الرغم من تقدمه في السن إلا أنه عاش حلو السوق ومرها، في دروس مجانية يقدمها والدي بأن الحياة عبارة عن سعادة وعمل، وكان يتمثل أبيات ابن مويجد القباني حين يقول:

لا عاد ما للرجل رأي يدله

فلا له من رأي الرجال ثواب

وإن كان ما شرب الفتى من يمينه

فشربه من إيمان الرجال سراب.


عاش أبي حياته كمربٍ وعائل، فهو لم يفكر بنفسه قط بل يشغل باله كثيرًا ويشعر بذلك كل من حوله، كان حريصًا على إيقاظنا لصلاة الفجر أيما حرص، ويلقي المحاضرات تلو الأخرى في النصح والإرشاد، وبذل الوقت في العمل وترك الكسل وكان يتمثل قول الشاعر:

والحر حر يرفعنه سبوقه

والبوم يلقى بين الأسواق خفاق

قوة والدي انعكست على أبنائه الثمانية فأقلهم يحمل الشهادة الجامعية، وهو مكمن دعاء والدي رحمه الله المستمر أن يصلح له ذريته.

بعد رحلة مليئة بالشغف والمغامرة والربح والخسارة، قرر أن يرتاح وقدم أوراقه للتقاعد المبكر عام 1422هـ، ولكن الراحة لم تطل- ولعله أعظم للأجر- فأصيب والدي بأمراض العصر قبل أن يتمتع ببقية حياته الباقية ومنها إلى الجلطات المتتالية، ولكنه وكعادة الأبطال يخرجون دائمًا منتصرين، فانتصر على الظروف واستطاع تجاوز الأمراض بكل اقتدار؛ لكن القدر المحتوم حل عليه في حادث مروري والله المستعان.

أبتاه.. إن كان من نجاح حققته فهو بفضلك، فقد علمتني قبل العلم، وأخبرتني قبل الخبر، وألهمتني قبل الإلهام، وحفزتني قبل التجربة وصفقت لي قبل البداية، أنت سري الذي أبوح به لأول مرة ولا يمنعني أن أقول وراء كل رجل ناجح أب أعظم..  

أبتاه.. عليك الرحمات تترى والحسنات مليء والدرجات العلى والسكن في جنة المأوى عند المليك المجتبى سبحانه، رحمك الله يا والدي وأسكنك فسيح جناته وأجزل لك الدرجات العلى كما منحتنا درجاتنا العلى في الدنيا.. اللهم الفردوس الأعلى اللهم الفردوس الأعلى اللهم الفردوس الأعلى.

الكلمات المفتاحية