هذا المقال قد يشكّل صدمةً لعشاق العلوم والاكتشافات العظيمة. فكثيراً من القصص التي نتداولها حول هذا الاكتشاف أو ذاك هي في حقيقتها إما كاذبة أو محرّفة أو مبالغ بها كثيراً. يوجد دائماً فرق بين قصة الاكتشاف الحقيقية، والقصة الظريفة والغريبة التي نتداولها كحكاية سريعة في المجلس.. ومع مرور الزمن، وكثرة التداول، تتحول النسخة «المفبركة» إلى «حقيقة» أكثر شهرةً مما حدث فعلاً _ تماما مثل قصص الجـن والعفاريت التي نستمتع بروايتها رغم شعورنا العميق بعدم صحتها..
وفي الأسطر التالية سأقدم لكم (سبعة) نماذج لقصص مشهوره في تاريخ العلوم نتداولها بطريقة محرّفة أو مبالغ فيها:
١. وأشهر مثال أود البدء به هو ادعاء اكتشاف نيوتن للجاذبية بفضل تفاحة سقطت فوق رأسه.. فـالحقيقة هي أن فكرة الجاذبية كانت موجودة قبل ظهور نيوتن بقرون، حيث تحدث عنها علماء الإغريق (مثل أرسطو وفيبولونيس) وعلماء المسلمين (مثل البيروني والبغدادي وابن الهيثم والخازني/ والأخيران تحدثا عن سحب الأرض للأجسام بما يتناسب مع بعدها وثقلها)...
ما فعله نيوتن حقاً هو أنه صاغ "قانون الجذب العام"، وربما ضرب مثلاً بسقوط التفاحة من الشجرة ولماذا ذهبت للأسفل بدلاً من أن تصعد للأعلى...
٢. أيضاً هناك قصة أرخميدس مع حوض الاستحمام.. فالرواية تقول إنه دخل الحمام، ثم اكتشف قانون الطفو أثناء وجوده في المغطس فخرج للشارع عارياً وهو يصرخ: يوريكا يوريكا، أي وجدتها وجدتها!! والحقيقة هي أن القصة اشتهرت بعد زمن طويل من وفاة أرخميدس عبر مؤرخ عرف بقصصه الغريبة يدعى فيتروفيوس، وبالتالي, تفاصيل التاج والحمام والصراخ لا يمكن تأكيدها تاريخياً...
٣. أيضاً هناك قصة العالم الإيطالي غاليليو مع برج بيزا.. فالقصة الشعبية تقول إنه أسقط كرتين مختلفتي الوزن من برج بيزا ليثبت خطأ فرضية أرسطو، الذي ادعى قبل ذلك بقرون أن الأجسام الثقيلة تسقط (بفعل الجاذبية) أسرع من الأجسام الخفيفة.. أما قصة التجربة ذاتها فقد اشتهرت من رواية تلميذه فينتشنزو فيفياني بعد وفاة جاليليو بعقود؛ لذلك فإن وقوعها بهذه الصورة ما يزال محل نقاش وجدل، خصوصاً أن جاليليو نفسه لم يتحدث عنه.
٤. أما قصة فليمنغ مع البنسلين فقد تكون صحيحةً في بدايتها، ولكنها تتضمن مغالطةً كبيرةً في نهايتها. فالقصة الرائجة تقول إن فليمنغ اكتشف العفن في طبق استخرج منه الإنسولين الذي أنقذ البشرية من أمراض كثيرة، وفتح الباب لاحقًا لاكتشاف مضادات كثيرة أخرى.
ولكن الحقيقة هي أن فيلمنج لاحظ (في عام 1928) تغلب العفن على البكتيريا في طبق الاختبار، فأدرك وجود مضاد قوي لم يعرف سره أو طبيعته.. وهذا يعني أنه اكتشف «المادة» فقط، في حين أن استخلاص البنسلين وتحويله إلى دواء طبي جاء لاحقاً بفضل جهود علماء آخرين فازوا معه بجائزة نوبل، هم هوارد فلوري وإرنست تشين وفريقهما.
٥. أيضاً هناك قصة إديسون واختراعه للمصباح الكهربائي.. فالحقيقة هي أن إديسون لم يخترع المصباح الكهربائي وكان موجوداً قبله بعقود. فقبل إديسون لاحظ مخترعون كثيرون أن أسلاك الكهرباء تتوهج وتضيء بفعل مقاومة التيار الكهربائي. ولكن المشكلة الأساسية (التي فشلوا في حلها) كانت عدم وجود "فتيلة" أو سلك كهربائي لا ينقطع بفعل التوهج والحرارة العالية. وهنا أتى دور فريق البحث التابع لإديسون، الذي اكتشف (فتيلة كربونية) مقاومة للحرارة، ووضع المصباح الكهربائي داخل زجاجة مفرغة من الهواء تمنعها من الاحتراق.
٦. أيضاً هناك قصة بنجامين فرانكلين مع الطائرة الورقية.. فالرواية الشعبية تقول إن فرانكلين (وهو من الاباء المؤسسين للولايات الامريكيه) أطلق طائرةً ورقيةً وسط سحابة رعدية لالتقاط الصاعقة او الشحنة الكهربائية الناجمة عن البرق.
ولكن هذا الادعاء يجعلنا نتساءل: ماذا لو كانت هناك بالفعل صاعقة رعدية، ألن تنتقل إلى فرانكلين وتقتله؟
القصة الأقرب للدقة هي أن فرانكلين ربما أطلق طائرةً ورقية داخل الغيوم على أمل التقاط شحنة كهربائية مرتبطة بالعاصفة، وليس اكتشاف كيفية تشكل الصواعق داخل الغيمة.. وحتى هذه المحاولة تـعد في نظري (تصرف غبي) لا يستحق معه وضع صورته على ورقه الــ100 دولار ..
٧. أما المغالطة الكبرى فهي الادعاء بأن كولومبوس اكتشف أمريكا وأثبت كروية الأرض.. فكروية الأرض كانت معروفةً قبل كولومبوس بقرون، وأكدتها لاحقاً رحلة المستكشف البرتغالي ماجلان الذي دار حول الكوكب. أما بخصوص اكتشافه لأمريكا، فالحقيقة هي أن كولومبوس وصل فقط إلى جزر البهاما وكوبا (وليس البر الرئيسي للقارة) وكان هو نفسه يعتقد أنه وصل إلى الهند، فأطلق على سكانها اسم «الهنود الحمر» ومات على هذا الاعتقاد..
الحقيقة التي أصبحت مؤكدةً اليوم هي أن الفايكنج والمغاربة وصلوا إلى أمريكا قبل كولومبوس بقرون وأنـا شخصياً كتبت في ذلك مقالاً قدمت فيه دلائل كثيرةً على أن أشقاءنا المغاربة اكتشفوا أمريكا قبل الأوروبيون بكثير _ وهذا رابط المقال: https://alriyadh.com/994337
_ السؤال هو : لماذا نفضل تبني المغالطات بدل البحث عن الحقائق؟
... الجواب، لأن عقولنا تعشق تبني القصص القصيرة، وسرد المفارقات الغريبة، على حساب التفاصيل الطويلة والجهود العلمية الكبيرة. فـتاريخ العلوم يتضمن تفاصيل كثيرة، ومراحل طويلة، وجهود كبيرة، ولكن ذاكرتنا تتبنى فقط الحدث اللحظي، والبطل النهائي، والصدفة الجميلة.. وإذا أضفنا لكل هذا عدم تخصصنا، وجهلنا بكافة التفاصيل، نختصر سنوات البحث والتراكم العلمي، في قصص قصيره تتضمن تفاحة، ومصباح، وحوض استحمام، وطبق من العفن...
@fahadalahmdi #فهد_عامر_الأحمدي