صحيفة عاجل الإلكترونية
الرئيسيةمقالات الرأي
مقال رأي

التحديات الستة التي تواجه العائلات السعودية عند تأسيس مكتب عائلي (Family Office)

د. عبدالله القفاريد. عبدالله القفاريكاتب رأي · السبت 22 أغسطس 2026

يشهد قطاع إدارة الثروات في المملكة العربية السعودية تحولاً جوهرياً حيث تتجه العائلات ذات الملاءة
المالية العالية للانتقال من الإدارة الفردية والتقليدية إلى التأسيس المؤسسي عبر ما يُعرف بمكتب العائلة وتشير التقديرات إلى أن المكاتب العائلية السعودية تدير ما يزيد على 400 إلى 500 مليار دولار من الأصول اعتباراً من عام 2024 وأن غالبية الأسر التجارية الكبيرة في المملكة باتت تدير إما مكتباً عائلياً فردياً رسمياً أو هيكلاً هجيناً مدمجاً في شركاتها القابضة وهذه التحديات هي بالضبط ما يفصل بين عائلة السنارة التي تتمنى الانتقال وعائلة الشبكة التي فعلياً انتقلت فليس الأمر مجرد رغبة أو قرار بل هو عبور حقيقي عبر عقبات يجب معرفتها قبل مواجهتها وفيما يلي تحليل لأبرز هذه المعوقات.

أولا: التحديات التشريعية والتعقيدات الضريبية

إن إدارة إصول بمليارات الريالات وتوزيعها عبر محافظ عالمية يضع العائلة أمام استحقاقات قانونية
دقيقة ومن أبرزها:

1. التوافق مع الشريعة الإسلامية وذلك عبر هندسة المحافظ الاستثمارية وتأسيس الصناديق الائتمانية
وهيكلة الملكيات بطرق تضمن الكفاءة وحماية الأصول مع الالتزام التام بالضوابط الشرعية في مسائل التمويل والمواريث والوقف وتشير الأرقام إلى أن نحو 60% من المكاتب العائلية السعودية تدير محافظ متوافقة مع أحكام الشريعة الإسلامية كليا أو جزئيا.

2. التعرض للضرائب الدولية حيث يتطلب الخروج بالاستثمارات خارج حدود المملكة الدخول في ولايات
قضائية متعددة وبالتالي يفرض هذا تحدي التخطيط الضريبي المحكم لتجنب الازدواج الضريبي
أو تآكل العوائد بسبب قوانين ضرائب التركات أو الأرباح الرأسمالية العالمية.

ثانيا: تحديات الاستثمار ومخاطر التركز

تختلف إدارة الأموال جذرياً عن صناعتها وعلى هذا الأساس تبرز تحديات اتخاذ القرار التالية:

1. فك الارتباط بالإرث فغالباً ما تُبنى الثروات السعودية في قطاعات محددة كالشركات التشغيلية
أو العقار والتحدي الأكبر هو إقناع العائلة بتسييل جزء من هذه الأصول التاريخية لتحقيق
مبدأ التنويع الفعال وتجنب مخاطر تركز الثروة في قطاع أو نطاق جغرافي واحد وهذا يتقاطع
مع ما ذكرناه في المقال الأول عن أهمية التنويع لا التعمق.

2. الفصل بين العاطفة وقرار الاستثمار أي منع تداخل الشغف الشخصي لبعض أفراد العائلة في توجيه
الاستثمارات نحو قطاعات غير مجدية مما يُحتم ضرورة إنشاء لجان استثمار مستقلة للوصول
إلى صفقات مميزة تتناسب مع حجم المخاطر المقبولة.

ثالثا: معضلة الكفاءات والكوادر البشرية

يعتمد بناء مؤسسة مالية قوية بالدرجة الأولى على العقول التي تديرها ومن أهم التحديات في
هذا الجانب:

1. استقطاب الكفاءات فإقناع كبار الخبراء الماليين بترك البنوك الاستثمارية أو الصناديق السيادية
للانضمام إلى مكتب عائلة يمثل تحدياً نظراً لمخاوفهم من التدخلات العائلية في قراراتهم أو غياب المسار الوظيفي المؤسسي وتشير دراسة كامبدن ويلث (Campden Wealth) لمنطقة الشرق
الأوسط وشمال أفريقيا 2024 إلى أنه رغم أن غالبية رؤساء مجالس إدارة المكاتب العائلية
هم من أفراد العائلة فإن غالبية المدراء الماليين ومدراء الاستثمار هم من خارجها مما
يعكس مدى احترافية الإدارة في المكاتب الناجحة.

2. هيكلة الحوافز فعلى عكس البنوك التي تمنح خيارات أسهم لموظفيها يواجه مكتب العائلة صعوبة
في منح حصص من أصول العائلة وهذا يتطلب ابتكار هياكل تعويضات مركبة تعتمد على نسب من
العوائد المحققة لضمان ولاء وبقاء هذه الكفاءات.

رابعا: التحديات الإدارية والتكلفة التشغيلية

يتطلب التحول من الإدارة المركزية الفردية إلى الإدارة المؤسسية بنية تحتية صلبة ومكلفة وتشمل
التحديات هنا:

1. العبء المالي فتأسيس مكتب عائلة مستقل يستهلك ميزانية سنوية ضخمة لإدارة فريق من المحامين
والمحاسبين والأنظمة وإذا لم تكن كتلة الثروة كبيرة بما يكفي سيتحول المكتب إلى عبء
يستنزف العوائد بدلاً من تنميتها.

2. إدارة المستندات والتقارير أي الحاجة الماسة إلى بناء نظام أرشفة متطور وضبط الهياكل القانونية
مع إيجاد نظام مالي يدمج الأصول السائلة والعقارات والملكيات الخاصة في لوحة بيانات
واحدة تعكس القيمة الصافية الحقيقية.

3. غياب مؤشرات القياس فلكون المكتب كياناً مغلقاً يصعب مقارنة أداء مكتب العائلة بالصناديق
العامة مما قد يخفي ضعف الأداء لسنوات بسبب غياب معايير التقييم الصارمة والمحايدة.

خامسا: التهديدات السيبرانية وأمن المعلومات

في العصر الرقمي أصبحت مكاتب العائلات أهدافاً استراتيجية للمخترقين وذلك للأسباب التالية:

1. وفقا لتقرير ديلويت (Deloitte) لأمن المكاتب العائلية 2024 فإن 43% من المكاتب العائلية
عالميا تعرضت لهجوم إلكتروني خلال الاثني عشر إلى أربعة وعشرين شهرا الماضية وترتفع
هذه النسبة إلى 57% في المكاتب العائلية الأمريكية الشمالية.

2. ومن بين المكاتب التي تعرضت للهجوم خسر ثلثها بيانات سرية أو تكبدت خسائر مالية مباشرة
فيما كانت هجمات التصيد الاحتيالي الأكثر شيوعا إذ أبلغ عنها 93% من الضحايا.

3. تتطلب حماية البيانات الشخصية للعائلة وتفاصيل الحسابات وخطط الاستحواذ استثمارات تقنية مستمرة
لصد أي محاولات اختراق أو ابتزاز وضمان خصوصية العائلة التامة.

سادسا: الديناميكيات العائلية وتعاقب الأجيال

وهو حجر الزاوية الذي يحدد بقاء المكتب أو انهياره ويتمثل في:

1. وفقا لدراسة أوكوريان (Ocorian) على مكاتب عائلية في السعودية والإمارات والبحرين ومصر فإن
86% من المختصين في المكاتب العائلية يعتبرون أن ضمان توافق الحوكمة مع توقعات أفراد
العائلة هو أكبر تحدياتهم فيما يرى 48% منهم أن وجود خطة تعاقب قوية يمثل أولوية قصوى.

2. وتؤكد دراسة غرانت ثورنتون (Grant Thornton) السعودية 2025 أن غياب خطة تعاقب واضحة يعرض الشركات العائلية لعدم الاستقرار والتشرذم وأن الفصل بين الأدوار العائلية والوظائف
التنفيذية يمكّن من اتخاذ قرارات قائمة على الكفاءة لا القرابة وهو ما يعزز الكفاءة
التشغيلية ويقلل النزاعات الداخلية.

3. ميثاق العائلة (Family Constitution) أي ضرورة صياغة وثيقة دستورية ملزمة تفصل بشكل قاطع بين ملكية الثروة وإدارتها وتنظم آليات اتخاذ القرار وتوظيف الأبناء وتخارج الأفراد
بصورة لا تضر بكيان الثروة الأساسي.

مع وجود هذه التحديات يبقى المكتب العائلي ضرورة لا خياراً

فمهما كانت التحديات التشريعية أو التشغيلية أو البشرية فإنها تحديات قابلة للمعالجة والحل
بالتخطيط الصحيح والمستشار المناسب، أما غياب المكتب العائلي أو الحوكمة فهو ليس تحدياً
بل هو الخطر الحقيقي الذي لا علاج له بعد فوات الأوان.

والدليل على ذلك ليس نظرياً بل هو دروس حقيقية من عشرات الأثرياء في منطقتنا انتهت ثرواتهم
برحيلهم لأسباب متكررة ومتشابهة في جوهرها، فمنها تصرفات عشوائية من الورثة بعد تقاسم
الأصول دون نظام يحكم هذا التقاسم، ومنها جهل الجيل الثاني بإدارة ثروة لم يشاركوا في بنائها ولم يتلقوا تأهيلاً حقيقياً لحمايتها، ومنها خلافات تبدأ بالشك والاتهامات المتبادلة بين الورثة وهي في أغلب الأحيان اتهامات وهمية لا أساس لها من الصحة لكنها تتحول بمرور الوقت إلى معارك قانونية مطوّلة داخل أروقة المحاكم وسببها الجذري واحد وهو غياب الحوكمة وعدم توثيق الحقوق والواجبات مسبقاً بوثيقة ملزمة تقطع الطريق على كل شك أو تأويل وهذا النوع من الخلافات هو الأشد تدميراً لأنه يستنزف الثروة قبل أن يستنزف العلاقات ويُفسد الروابط العائلية قبل أن تصدر أي حكم،

ومما يزيد هذه الخلافات تعقيداً ويرفع مستواها أن تدخل أطرافاً من خارج دائرة الورثة المباشرين
كأزواج البنات أو أبنائهم ممن لا يرتبطون بالثروة الأصلية إلا عبر صلة الزواج لكنهم يصبحون أطرافاً فاعلة في النزاع وهذا التدخل لا يزيد الخلاف حدةً فحسب بل يُدخل في المعادلة عواطف وحسابات ومصالح جديدة لا علاقة لها بالثروة أصلاً مما يُفضي إلى تقاطع الأرحام وتمزق العلاقات العائلية الأعمق وتنتهي الثروة التي بناها المؤسس ليجمع عائلته إلى سبب لتفريقها.

ومن أكثر الأمثلة إيلاماً التي شهدتها بنفسي، شركة تأسست منذ أكثر من ستين عاماً وكانت براندًا
ورمزاً حقيقياً في المنطقة، فبعد رحيل مؤسسها تحولت إلى معركة قانونية بين أحد أبناء البنات وزوج إحدى البنات الأخرى، وانتهت هذه المعركة ببيع أصول الشركة بعشرات الآلاف من الريالات وإغلاق سجلها التجاري ليصبح مجرد ورقة لا معنى لها، ستون عاماً من البناء انتهت بهذا المصير.

والمفارقة المؤلمة أن هذه الشركة كانت تملك من المقومات ما يكفي لتحويلها إلى شركة مساهمة أو
طرحها في سوق نمو أو بيعها بملايين الريالات لمن يطورها، لكن غياب الحوكمة جعل كل هذه
الخيارات تتبخر أمام خلاف لم يكن ليحدث لو وُجدت وثيقة واحدة تنظم من يملك ومن يدير ومن يقرر.

وهذا المثال ليس استثناءً بل هو نمط يتكرر مع عشرات الأسر، وكل من قرأ هذا المقال يستطيع أن يعطيك بنفسه أمثلة لأسر يعرفها انتهت ثرواتها بهذا الأسلوب المؤلم نفسه.

وتكشف هذه الحالات مجتمعةً أن المشكلة الجذرية واحدة في كل مرة وهي أن المؤسس بنى الثروة
بعقله وقراره الشخصي ثم تركها تنتقل دون أن يبني النظام الذي يحميها بعد غيابه، فالثروة التي لا تحكمها مؤسسة تتحول بعد رحيل صاحبها إلى ميراث خلافي لا إلى إرث راشد وهذا بالضبط هو الهدف الأساسي من المكتب العائلي: أن يضمن أن تكون الثروة أقوى بعد غياب مؤسسها لا أضعف.

وأخيرا تأسيس مكتب العائلة (Family Office) ليس مجرد قرار مالي بل هو مشروع مؤسسي متكامل يحتاج إلى توازن دقيق بين حماية رأس المال البشري المتمثل في العائلة ورأس المال المالي المتمثل
في الثروة ويتطلب النجاح في هذا المسعى استعانة مبكرة بمستشارين محايدين والتزاماً غير مشروط بمبادئ الحوكمة والشفافية لضمان استدامة الإرث لأجيال قادمة فعائلة الشبكة الحقيقية لم تصبح كذلك لأنها تجنبت هذه التحديات الستة بل لأنها واجهتها بمنظومة احترافية مستعدة لها مسبقاً وهذا ما يكشفه المقال السابع من هذه السلسلة بتفصيل أكبر.

د. عبدالله القفاري @DrAlqefari

شارك المقال
Xf
د. عبدالله القفاري
د. عبدالله القفاري
كل مقالاته

مقالات أخرى