على امتداد التاريخ حاول العلماء والمفكرون البحث بشكل حثيث عن أسباب أزمات الإنسان والحضارات البعض بحث في السياسة والاقتصاد والظروف الخارجية بينما ذهب آخرون إلى منطقة أكثر عمقاً وهي:
العقل الذي يصنع الواقع قبل أن يتعامل معه.
ومن ما يظهر لنا هنا مقارنة مثيرة بين المفكر المغربي محمد عابد الجابري والفيلسوف الهندي جيدو كريشنامورتي. فرغم اختلاف البيئة والثقافة والمنهج، جمع بينهما سؤال واحد:
هل المشكلة فيما نفكر فيه أم في الطريقة التي نفكر بها؟
د. محمد عابد الجابري:
ولد الجابري في المغرب عام 1935 فقد اتجه إلى مشروع مختلف حيث درس أسباب تأخر النهضة العربية من خلال تحليل بنية التفكير العربي وقدم مشروعه الشهير " نقد العقل العربي " محاولاً الكشف عن الأنظمة المعرفية التي شكلت العقل عبر التاريخ.
المشكلة عند الجابري: العقل الموروث
رأى الجابري أن أزمة الحضارة العربية ليست فقط أزمة موارد أو سياسات بل أزمة في أدوات التفكير نفسها ومن أبرز أفكاره:
§ لا يمكن بناء المستقبل بعقل لم تتم مراجعته.
§ التراث يحتاج إلى قراءة نقدية لا رفض كامل ولا قبول كامل.
§ النهضة تحتاج انتقالاً نحو عقل أكثر برهانية وتحليلاً.
كان مشروعه محاولة للإجابة عن سؤال:
كيف نعيد بناء العقل الذي يصنع الحضارة؟
جيدو كريشنامورتي :
ولد كريشنامورتي عام 1895 في الهند وعاش تجربة فكرية وروحية مختلفة بعد أن تبنته الجمعية الثيوصوفية في صغره باعتباره شخصية روحية مستقبلية لكنه فاجأ العالم لاحقاً عندما رفض السلطة الفكرية والتنظيمية وأعلن أن الحقيقة لا يمكن الوصول إليها عبر المؤسسات أو التقليد بل من خلال فهم الإنسان لذاته.
المشكلة عند كريشنامورتي: العقل المبرمج
فركز على الإنسان من الداخل ورأى أن العقل مقيد بالتجارب والخوف والمعتقدات والصور التي يصنعها عن نفسه والآخرين. ومن أبرز أفكاره:
§ الإنسان لا يرى الحقيقة غالباً بل يرى تفسيره لها.
§ التحرر يبدأ بمراقبة حركة الفكر.
§ تغيير العالم يبدأ من فهم الذات.
وكان سؤاله الأساسي:
كيف يتحرر الإنسان من السجون التي صنعها عقله؟
هل تأثر أحدهما بالآخر؟
لا توجد دلائل واضحة على وجود تأثير مباشر بينهما ف كريشنامورتي سبق الجابري زمنياً بينما اعتمد الجابري على التراث العربي الإسلامي والفلسفة الغربية أكثر من المدارس الشرقية.
لكن التقاطع بينهما عميق:
§ الجابري نقد العقل من منظور حضاري وتاريخي.
§ كريشنامورتي نقد العقل من منظور نفسي وإنساني.
§ الجابري بحث عن تحرير المجتمع عبر إصلاح أدوات التفكير.
§ كريشنامورتي بحث عن تحرير الفرد عبر الوعي بالذات.
وفي النهاية من جميل جداً أن يلتقي المفكران عند فكرة جوهرية:
أحياناً لا تكون المشكلة في الطريق الذي نسير فيه، بل في الخريطة الذهنية التي نحملها ونحن نسير.
إن هذه المقارنة لا تهدف إلى الجمع القسري بين مفكرين مختلفين بقدر ما تفتح باباً للتأمل في سؤال العقل ذاته. فالجابري أراد تحرير العقل العربي من أثقال البنية الموروثة بينما سعى كريشنامورتي إلى تحرير الإنسان من برمجة الخوف والتقليد.
لكن تجاوز هذه الإشكالية لا يتحقق بمجرد معرفة الخلل بل يحتاج إلى بناء مسار فكري يقوم على الوعي والإدراك العميق لطريقة تشكل أفكارنا ومراجعة النماذج الذهنية التي نفسر بها العالم حتى نستطيع تحويل المعرفة إلى فهم والفهم إلى سلوك أكثر اتزاناً وفاعلية.
فنهضة الإنسان ربما تحتاج الاثنين معاً:
عقلاً ناقداً كما أراد الجابري
ووعياً متحرراً كما دعا كريشنامورتي.

