لهذا السبب لم ينجح مشروع جامعة الملك سعود الأكاديمي؟

تم النشر في

أثار تراجع جامعة الملك سعود عن بعض برامج تطوير المشاريع الأكاديمية موجة من الجدل داخل الأوساط الجامعية، ليس فقط بسبب القرار ذاته، بل بسبب ما كشفه من خلل أعمق في منهجية صناعة القرار. فبرأيي أن المسألة لم تعد مرتبطة بمشروع أو مبادرة بعينها، بل بسؤال جوهري وهو من هو المستفيد الحقيقي الذي يجب أن يُبنى عليه أي تطوير أكاديمي؟

ما حدث يعكس فجوة واضحة بين صُنّاع القرار والمستفيد الأخير، وهذا المستفيد ليس كياناً غامضاً، بل هو الطالب، والأستاذ الجامعي، والمجتمع بأكمله. هؤلاء هم من يعيشون أثر القرارات يومياً، ومع ذلك غالباً ما يتم التعامل معهم باعتبارهم متلقين فقط، لا شركاء في التشكيل والبناء. وهنا تكمن الإشكالية الكبرى، وهي كيف يمكن لمشروع أكاديمي أن ينجح دون أن يُصاغ من داخل بيئته الطبيعية؟

لقد أثبتت التجارب العالمية أن إشراك المستفيدين في مراحل التخطيط الأولى ليس ترفاً تنظيمياً، بل ضرورة استراتيجية، وعليه فالجامعات التي تنجح في التحول والتطوير هي تلك التي تفتح قنوات الحوار مع طلابها وأعضاء هيئة التدريس والمجتمع، وتحوّل هذا الحوار إلى مدخلات حقيقية في صناعة القرار. أما اللجوء إلى نماذج جاهزة أو شركات استشارات دون فهم السياق المحلي، فقد يؤدي إلى حلول تبدو مثالية على الورق لكنها تصطدم بالواقع عند التطبيق.

المؤسف أن غياب الشفافية في بعض الأحيان يزيد من تعقيد المشهد، وعندما لا يُطرح النقاش بشكل علني، ولا يُفسح المجال للمشاركة، تتسع دائرة الشك، وتتحول القرارات إلى صدمات مفاجئة بدلاً من أن تكون خطوات مدروسة ومتدرجة. وهذا ما يكلّف المؤسسات أثماناً باهظة: وقت مهدور، موارد مالية مستنزفة، وجهود بشرية ضائعة.

إن الدرس الأهم من هذه التجربة هو أن التطوير الأكاديمي لا يُصنع في الغرف المغلقة، وإذا أردنا مشاريع ناجحة ومستدامة، فعلينا أن نعيد تعريف عملية التطوير نفسها، لتصبح قائمة على الشراكة، والحوار المفتوح، والشفافية. فالمستقبل لا يُبنى بقرارات تُتخذ في الظل أو في الغرف المغلقة، بل برؤية تُصاغ في الضوء، يشارك فيها الجميع، ويتحمل مسؤوليتها الجميع.

د. حسن النجراني مستشار و أكاديمي

logo
صحيفة عاجل
ajel.sa