السطوة على الجموع!

تتشرّب الجماعات في مختلف الطوائف من سُقاة العاطفة، لا يروي عطشها صوت برهان، ولا يُشبع غرورها فكرة عقلانية، أيًّا كانت تلك الجماعات، سياسية أو دينية أو حتى اجتماعية، دائمًا ما تجد سوادها الأعظم يعتمد الصوت العاطفي الجيّاش على كونه الصوت الصادق الأمين وما عداه فهو أقرب للشيطان منه للخيِّر!

تتراكم الأمثلة على مدار التاريخ لتُثبت أن الكلمة العاطفية هي صاحبة الأثر الأكبر على الجمهور، ففي أغلب الأمثلة المأثورة، ما مِن منبر قام إلا على ركام العواطف، وما مِن فرد استعزّ وحفر رمزيّته على قلوب الجماهير إلا بتعويذة عاطفيّة وما مِن جماعة أو طائفة أو تكتل ديني صعد إلا على سلّم العاطفة!

لا يريد الجمهور سوى الكلمة الحماسيّة المحفّزة للمشاعر، كوعدٍ بجنّة أو بنصر أو حتى بمال، المهم أن تعِد وتستلذ بأثَر وعدك اللحظي، أما عن مُستقبل الوعد ومدى قدرتك على الوفاء به، فلا تقلق، أليست آفة "الجمهور" النسيان؟!

يؤكد التاريخ أن صوت العقل هو أمر كمالي لا حاجة للجمهور به، وما إن يحاول فرد أن يشُذ عن غيره ويصعد منبره بخطابٍ عقلاني، حتى لحِقته الأحذية وأغرقته إغراقا، وإن عاد مرّة أخرى بصوتٍ تغشوه الحماسة المدغدغة للمشاعر حتى أمطرت عليه الجموع بالقبّعات والورود!

رسم الفيلسوف الفرنسي غوستاف لوبون في كتابه الشهير -سايكولوجية الجماهير- خارطة الطريق لكل من أراد أن يخلق دينًا أو جماعة أو حتى لمن أراد أن يُصبح رمزًا، حيث وضع -لوبون- مقادير الخلطة العاطفية التي تمكّن من اختراق صفوف العوام، مثبتًا أن دراسة روح الجماعة أساس لِمَن ينشد الرمزيّة، فالجموع ليست سوى كيانات مُفرغة داخليًا لعبادة رمزها الخفيّ متى ظهر ومَلأ هذا الفراغ!

هذا الاندفاع الجمهوري نحو تقديس الطرح العاطفي وإجلاله، يجعلك تتردد كثيرًا قبل أن تؤمَن بما آمنت به الجماهير، ويُحيّدك عن غالب الطرقات التي سلكتها الجموع، بل يؤكّد لك أن منهج اتباع السّواد الأعظم وما تُرجّحه الحشود هو على الأغلب منهج واهٍ يبتكره المعبود الذكيّ كي يعيش في نعيم سذاجة العموم!

قد يعجبك أيضاً

No stories found.
صحيفة عاجل
ajel.sa