صحيفة عاجل الإلكترونية
الرئيسية‹مقالات الرأي
مقال رأي

كم تخسر شركتك لو غادر رونالدو الخاص بك غدًا

د. عبدالله القفاريد. عبدالله القفاريكاتب رأي · الإثنين 5 أكتوبر 2026

نموذج رونالدو الخماسي لإدارة النجوم والقادة

كنت أتصفح إحدى قنوات الأخبار العالمية حين استوقفني خبر أزمة كريستيانو رونالدو مع منتخب البرتغال فدفعني إلى قراءة القصة كاملة وكلما تعمقت في تفاصيلها ازددت شعورا بأني أعرفها جيدا لا لأني من متابعي كرة القدم بل لأني أرى القصة ذاتها تتكرر في كثير من الشركات التي تصلني منها الاستشارات إذ نجد نجما يرى أنه صنع النجاح وقائدا يرى أنه صاحب القرار ومؤسسة تقف بينهما حائرة لا تعرف كيف تحتفظ بالاثنين معا.

ذلك أن كثيرا من رجال الأعمال يقيسون ثروتهم بما تظهره الميزانية من أصول وإيرادات وأرباح في حين أن جزءا كبيرا من ثروة أي شركة لا يظهر في القوائم المالية أصلا لأنه يسكن في رأس موظف واحد وفي هاتفه وفي شبكة علاقاته ومتى خرج هذا الشخص من الباب خرج معه جزء من ثروتك دون أن تشعر.

وتعود تفاصيل الأزمة إلى مطلع أكتوبر 2026 حين كان المنتخب البرتغالي في معسكره بكوبنهاغن ضمن منافسات دوري الأمم الأوروبية إذ بدأ الخلاف بعد أن جلس رونالدو على مقاعد البدلاء في مواجهة النرويج التي فازت بها البرتغال بهدفين مقابل هدف ثم تفاقم عقب تصريحات المدرب جورجي جيسوس في المؤتمر الصحفي الذي سبق مواجهة الدنمارك فغادر رونالدو المعسكر قبل المباراة بأربع وعشرين ساعة بعد اتفاقه مع رئيس الاتحاد بل إن الصحافة البرتغالية وصفت الأزمة بأنها قضية دولة بعد أن أجرى رئيس الوزراء اتصالات بأطرافها قلقا على صورة البلاد وسمعتها.

غير أن ما لفت انتباهي أكثر من الخلاف نفسه هو ثمنه فقد خسرت منصات المنتخب البرتغالي نحو مليوني متابع منذ اندلاع الأزمة منها قرابة مليون في يوم واحد هو يوم الفوز على الدنمارك وكتب أحد المشجعين أنهم لم يكونوا يتابعون البرتغال بل يتابعون رونالدو فضلا عن حديث الصحافة عن خسائر محتملة بالملايين في رعايات المنتخب وهكذا انتصر الفريق في الملعب بينما خسرت المؤسسة من سمعتها وقيمتها وهذا بالضبط ما يحدث في الشركات حين يغادر النجم.

لماذا بني هذا النموذج

ليست كل الأزمات الإدارية نتيجة قرار خاطئ فقد يكون القرار صحيحا في ذاته لكن طريقة اتخاذه أو توقيته أو أسلوب التواصل حوله يحوله إلى أزمة ومن هنا يبرز سؤال يتجاوز كرة القدم وهو كيف تدير نجما كبيرا دون أن تضعف القائد وكيف تحمي سلطة القائد دون أن تخسر النجم وكيف تمنع الاثنين من أن يصبحا أكبر من المؤسسة.

ولو أخذنا هذه الأزمة دراسة حالة في القيادة والإدارة لا قصة كرة قدم لوجدناها صالحة للتدريس في كليات الأعمال لأنها تجمع في مشهد واحد سلطة القائد وإدارة النجم والعدالة والثقة والتواصل والخلاف والتعاقب القيادي ومصلحة المؤسسة فوق الأفراد.

وللإجابة عن هذا السؤال طورت نموذج رونالدو الخماسي لإدارة النجوم والقادة وقد بنيته من أجل.

• صاحب الشركة ليحمي ثروته من خطر لا تكشفه القوائم المالية وهو ارتباط الإيرادات والعلاقات والمعرفة والتمويل بأشخاص قلائل.

• الرئيس التنفيذي ومجلس الإدارة ليمنحهم لغة مشتركة لإدارة الخلاف قبل أن يتحول إلى صراع نفوذ أو معركة كرامة.

• الشركات العائلية التي تقف على أبواب انتقال السلطة من جيل إلى جيل.

• المستثمر الذي يريد أن يعرف هل يشتري شركة قائمة على نظام أم شركة قائمة على شخص.

والغاية في النهاية واحدة وهي أن تصبح المؤسسة أكبر من الجميع وأن ترتفع قيمتها لأنها قادرة على الاستمرار بعد رحيل أي فرد مهما كان ولست هنا في مقام الحكم على أطراف الأزمة وإنما أستلهم منها إطارا يصلح للرياضة والشركات والمشروعات والشراكات على حد سواء فما يحدث في الملعب يحدث في الشركات كل صباح وإن اختلفت الأسماء والقمصان.

من هو رونالدو شركتك

النجم في هذا النموذج ليس بالضرورة شخصا مشهورا أو صاحب منصب رفيع بل هو كل من يملك قيمة استثنائية يصعب على المؤسسة تعويضها بسرعة فقد يكون مدير مبيعات يجلب نسبة كبيرة من الإيرادات أو موظفا يمسك علاقات كبار العملاء أو مسؤولا بنى شبكة متينة مع البنوك والممولين أو مهندسا يحمل معرفة فنية نادرة أو شريكا يفتح أسواقا يصعب الوصول إليها أو مؤسسا ارتبط اسمه بالعلامة التجارية وثقة السوق.

وقد سبق بيتر دراكر Peter Drucker أبو الإدارة الحديثة إلى هذا المعنى حين صاغ مفهوم عامل المعرفة Knowledge Worker أي الموظف الذي يملك أهم أدوات الإنتاج في رأسه فإذا كان المصنع يملك الآلات فإن عامل المعرفة يحمل قيمته معه أينما ذهب ولذلك يرى دراكر أن هؤلاء يجب أن يداروا كما لو كانوا متطوعين لأنهم يستطيعون الرحيل بقيمتهم متى شاؤوا وقد لا يعرف اسم هذا الشخص أحد خارج الشركة لكنه داخلها رونالدو حقيقي من حيث حجم الأثر.

وتبدأ المعضلة حين يأتي قائد جديد يملك المنصب والصلاحيات بينما يوجد في المؤسسة شخص لا يملك المنصب ذاته لكنه يملك تأثيرا قد يفوق تأثير القائد وهنا نكون أمام نوعين من القوة أولهما السلطة الرسمية Formal Authority التي يمنحها المنصب لصاحبه لاتخاذ القرار وتحمل مسؤوليته وثانيهما التأثير غير الرسمي Informal Influence الذي يكتسبه الشخص من إنجازاته وخبرته وعلاقاته وتاريخه ففي المنتخب يملك المدرب السلطة الرسمية بينما يملك النجم تأثيرا يتجاوز ما هو مكتوب في الهيكل وكذلك الحال في الشركات حيث قد يملك الرئيس التنفيذي القرار رسميا في حين يملك المؤسس أو مدير المبيعات أو مسؤول التمويل تأثيرا واسعا على العملاء والموظفين والسوق.

والمشكلة تبدأ حين يتجاهل أحد الطرفين قوة الآخر فالقائد الذي يظن أن المنصب وحده يكفي سيصطدم بالواقع والنجم الذي يظن أن تأثيره يعفيه من النظام سيحول النظام كله إلى استثناءات تدور حوله ومن هنا جاءت الأبعاد الخمسة لنموذج رونالدو الخماسي.

البعد الأول سلطة القائد Leadership Authority

لا يصح أن تحاسب القائد على النتائج ثم تسحب منه حق القرار فإذا كان الرئيس التنفيذي مسؤولا أمام مجلس الإدارة فلا ينبغي أن تنقض قراراته كلما اختلف معه مؤسس أو نجم ولذلك تحتاج المؤسسة إلى تحديد حقوق اتخاذ القرار Decision Rights أي من يملك القرار ومن يستشار ومن ينفذ ومن يبلغ ويذكرنا دراكر بأن الرتبة لا تمنح امتيازا ولا تعطي سلطة بل تفرض مسؤولية.

وقد جسد جيسوس هذا البعد حين أعلن أنه لن يسمح لأي لاعب بأن يملي عليه قراراته وهو موقف يثبت السلطة بوضوح لكنه حين يقال علنا قد يرفع تكلفة القرار على الجميع لأن الفرق كبير بين أن تثبت أنك القائد وأن تجعل الآخرين يشعرون أنك تحتاج إلى إثبات ذلك فالقائد الواثق لا يحتاج إلى كسر رمزية النجم لكي يثبت سلطته.

ومتى تحولت القرارات إلى وسيلة لإثبات من الأقوى انتقل الخلاف من مصلحة المؤسسة إلى صراع النفوذ وعليه فإن القاعدة الأولى هي أن تحمي سلطة القائد دون أن تجعل إثبات السلطة هدفا بحد ذاته.

البعد الثاني قيمة النجم Star Value

قيمة النجم هي القيمة الاستثنائية التي يضيفها الفرد بأدائه أو معرفته أو علاقاته أو سمعته فلو تخيلنا موظفا قضى عشر سنوات يبني علاقات مع البنوك والمستثمرين حتى صار يسهل للشركة تمويلا بمئات الملايين ثم جاء مدير جديد يقول إنه موظف مثل الجميع فإن العبارة قد تكون صحيحة نظاميا لكنها ساذجة إداريا وماليا.

وفي المقابل إذا صار هذا الموظف يعطل قرارات الإدارة بحجة أنه صاحب العلاقات فقد أصبحت الشركة رهينة عنده ومن هنا يلزم التفريق بين العدالة Fairness وهي مبادئ واضحة تحكم الجميع وبين المعاملة المتطابقة Sameness وهي إدارة الجميع بالطريقة نفسها مهما تفاوتت خبرتهم ومسؤوليتهم فالعدالة مطلوبة أما التطابق فليس عدلا دائما.

ويدعم هذا المعنى مفهوم القيادة الموقفية Situational Leadership الذي طوره بول هيرسي Paul Hersey وكين بلانشارد Ken Blanchard ومفاده أن أسلوب القيادة يتغير بحسب الشخص والموقف فلا تدير رونالدو كما تدير لاعبا عمره تسعة عشر عاما لا لأنه فوق النظام بل لأن خبرته ومكانته ودوافعه وتأثيره في الآخرين ومرحلته المهنية كلها مختلفة وكذلك في الشركة فلا يدار المؤسس والمدير المخضرم والموظف الجديد بالأسلوب نفسه فالمبدأ ثابت لكن أسلوب القيادة يتكيف والقاعدة الثانية إذن أن تقدر النجم بقدر قيمته دون أن تمنحه سلطة بقدر شهرته.

البعد الثالث عدالة الفريق Team Fairness

بين القائد والنجم طرف كثيرا ما ننساه وهو الفريق الذي يراقب كل شيء بصمت فإذا رأى الموظفون أن النجم يتجاوز الأنظمة لأن المؤسسة تخشى خسارته تآكلت ثقتهم بالعدالة وإذا رأوا المؤسسة تهين من خدمها سنوات لتثبت أن لا أحد أكبر منها وصلتهم رسالة لا تقل خطورة مفادها أن التاريخ والولاء لا قيمة لهما.

وقد قدم برونو فيرنانديز الذي حمل شارة القيادة في غياب رونالدو مثالا لافتا على دور الزميل القائد حين أكد أن رونالدو سيبقى أعظم رمز للمنتخب ولكرة القدم البرتغالية وللبلاد مهما حدث ودعا في الوقت نفسه إلى عدم تقسيم المنتخب إلى معسكرين وإلى حل الأمور داخليا فحفظ مكانة النجم دون أن يسمح للخلاف بأن يمزق الفريق وهذا دور كثيرا ما يغيب في الشركات حين ينقسم الموظفون إلى معسكر للمدير ومعسكر للنجم.

وهنا تفيدنا أعمال إيمي إدموندسون Amy Edmondson الأستاذة في كلية هارفارد للأعمال وإحدى أبرز الباحثين في الأمان النفسي Psychological Safety أي البيئة التي يستطيع فيها أعضاء الفريق طرح مخاوفهم واختلافاتهم دون خوف من الإهانة أو العقوبة والأمان النفسي بهذا المعنى لا يعني أن يحصل النجم على ما يريد بل أن يقول إنه غير مقتنع بدوره الجديد فيرد القائد بأنه يحترم رأيه وتاريخه لكن القرار النهائي مسؤوليته ثم يستمر الاثنان في العمل أما المؤسسة التي لا تدير الاختلاف إلا بانتصار طرف وإذلال الآخر فمشكلتها أعمق من الخلاف ذاته ولذلك تقضي القاعدة الثالثة بأن تجعل العدالة مرئية للفريق لأن الناس يحكمون على المؤسسة بطريقة تعاملها مع أقوى أفرادها.

البعد الرابع قوة المؤسسة Institutional Strength

عند هذا البعد يبدأ الحديث الحقيقي عن الثروة فقد تظن الشركة أن علاقاتها بعملائها ممتازة ثم يستقيل مدير المبيعات فتكتشف أن العملاء كانوا مرتبطين به لا بها وقد تظن أن نظام تشغيلها متين ثم يغادر مهندس مخضرم فتكتشف أن طريقة التشغيل كانت في رأسه لا في أنظمتها وهذا ما يعرف بمخاطر الاعتماد على شخص محوري Key-Person Risk وهو في لغة الاستثمار تركيز خطير في محفظة واحدة فإذا كان المستثمر الحصيف لا يضع ماله كله في سهم واحد فكيف تضع الشركة إيراداتها كلها في شخص واحد وإذا كان أفضل بائع لديك يستطيع أن يقول إما أن تعملوا بطريقتي أو أغادر فأنت أمام خطر استراتيجي لا مجرد مشكلة موارد بشرية.

والحل هنا لا يكون بالتخلص من النجم ولا بالخضوع له بل بالسير في مسارين متوازيين.

• الاحتفاظ بالمواهب Retention عبر التقدير والحوافز والبيئة المحفزة.

• تقليل المخاطر De-risking عبر توثيق المعرفة وتوسيع علاقات العملاء وإشراك أكثر من شخص في كل علاقة حساسة وبناء الصف الثاني.

فكلما زادت قيمة النجم زادت مسؤوليتنا في الحفاظ عليه وفي تقليل الاعتماد عليه في آن واحد وبذلك تنتقل الشركة من مؤسسة يقودها الأشخاص Person-led Organization إلى مؤسسة تقودها الأنظمة والحوكمة Institution-led Organization وهو ما عبر عنه دراكر حين قال إن غاية المؤسسة أن تمكن أناسا عاديين من فعل أشياء غير عادية.

النجم في ميزان المستثمر

لهذا البعد وجه مالي مباشر يغفل عنه كثير من أصحاب الشركات إذ إنك حين تبيع شركتك أو تدخل شريكا أو تطلب تمويلا سيسألك المستثمر بهدوء عما يحدث لو غادر فلان غدا فإن لم يكن لديك جواب مقنع خصم ذلك من قيمة شركتك مباشرة لأن الشركة القائمة على مؤسسها أو على نجم واحد تباع بسعر أقل من شركة مماثلة تديرها الأنظمة ومن ثم فإن تقليل الاعتماد على الأشخاص ليس قرارا إداريا فحسب بل هو رفع مباشر لقيمة ما تملكه بل إن بعض الشركات تذهب أبعد من ذلك فتشتري تأمين الشخص الرئيسي Key-Person Insurance ليحميها ماليا من الغياب المفاجئ لأحد أعمدتها.

البعد الخامس إدارة الانتقال Transition Management

لعل هذا البعد هو الأكثر حساسية في النموذج كله فالأدوار لا تدوم والنجم سيتقدم في العمر والمؤسس سيبتعد يوما عن الإدارة التنفيذية والجيل الأول في الشركة العائلية سيسلم للجيل الثاني والثالث والمشكلة ليست في تغير الدور بل في طريقة الانتقال من دور إلى آخر وهو ما يسمى انتقال الدور Role Transition وقد علمنا جون كوتر John Kotter الأستاذ السابق في كلية هارفارد للأعمال وأحد أشهر الباحثين في إدارة التغيير Change Management أن التغيير لا يتحقق بمجرد إعلان القرار بل يحتاج إلى رؤية وتواصل وتهيئة وإدارة للمقاومة.

ونرى ذلك جليا في الشركات العائلية حين يقول المؤسس إنه سلم الشركة لأبنائه فالجملة سهلة لكن حقيقتها لا تظهر إلا عند أول قرار كبير يختلف فيه معهم لأن التسليم القانوني للمنصب يحتاج إلى توقيع أما التسليم النفسي للسلطة فقد يحتاج إلى سنوات ولذلك تنص القاعدة الخامسة على ألا تنتظر حتى يصبح الانتقال أزمة بل أن تصممه قبل أن تحتاج إليه.

اللحظة الأخطر عندما يتحول الدور إلى كرامة

كثير من هذه الأزمات يبدأ بسؤال مهني بسيط عن الدور ثم يصبح سؤالا عن صاحب القرار ثم عن الاحترام ثم ينتهي بعتاب مرير على ما قدمه الشخص طوال سنوات وعندها نكون قد انتقلنا من صراع الأدوار Role Conflict الذي يحله تحديد الصلاحيات إلى صراع الهوية والمكانة Identity Conflict وهو أصعب بكثير لأن الشخص لم يعد يدافع عن قرار وظيفي بل عن صورته وتاريخه.

وهنا تتجلى أهمية الذكاء العاطفي Emotional Intelligence الذي اشتهر إداريا من خلال أعمال عالم النفس دانيال جولمان Daniel Goleman أي القدرة على فهم المشاعر وإدارتها والتعامل الواعي مع مشاعر الآخرين فقد يكون القرار صحيحا تماما لكن طريقة إبلاغه تحوله إلى جرح شخصي مكلف وفي أزمة البرتغال نفسها كشف جيسوس أنه كان قد اتفق مع رونالدو مسبقا على ألا يلعب أمام النرويج والدنمارك بسبب تتابع المباريات كل ثلاثة أيام ومع ذلك تحول القرار إلى أزمة لأن الخلاف لم يكن على القرار بقدر ما كان على طريقة إدارته وإعلانه.

لو كنت مكان رونالدو

ولأن الدروس لا تخص الإدارة وحدها فلو كنت مكان رونالدو لما غادرت المعسكر حتى لو كنت مقتنعا بأن المدرب أخطأ في حقي بل لبقيت مع زملائي وأديت دور القائد ثم طلبت بعد المباراة اجتماعا رسميا مع المدرب ورئيس الاتحاد ذلك أن المغادرة أثناء الأزمة تنقل الخلاف من خلاف بين مدرب ولاعب Coach Player Conflict إلى قضية مؤسسية تمس الفريق والجمهور والاتحاد والإعلام فتاريخ النجم مهما عظم لا يمنحه حق تعطيل المؤسسة ومهما بلغت قيمة الموظف يبقى جزءا من منظومة أكبر.

والفرق كبير بين أن تقول إنك مختلف مع المدرب وأن تقول إنك غادرت المؤسسة لأن قراره لم يعجبك فالأولى تحفظ قوة موقفك والثانية تسمح بأن تتحول القضية من خطأ المدرب المحتمل إلى نقاش حول تصرفك أنت وهذا درس لكل رئيس تنفيذي أو شريك أو ابن في شركة عائلية ألا يتخذ قرارا دائما في لحظة جرح مؤقت.

لو كنت مسؤولا عن إدارة أزمة رونالدو

لو كنت مسؤولا في الاتحاد البرتغالي لما تعاملت مع ما حدث على أنه خلاف حول مشاركة لاعب في مباراة بل على أنه أزمة قيادة وعلاقة وأدوار هدفها ليس إعلان منتصر بين رونالدو وجيسوس بل إعادة العلاقة إلى إطار يحفظ سلطة المدرب ومكانة النجم ووحدة الفريق وهيبة المؤسسة ولتحركت سريعا في سبع خطوات.

• إيقاف التصريحات من الطرفين فورا لأن كل تصريح جديد يرفع تكلفة التراجع ويحول الخلاف المهني إلى قضية رأي عام.

• اجتماع مغلق يضم رئيس الاتحاد والمدرب ورونالدو أستمع فيه إلى كل طرف منفردا ثم أجمعهم والسؤال ليس من أخطأ بل ماذا حدث وكيف نكمل من هنا.

• تثبيت سلطة المدرب فالتشكيلة والمشاركة والدقائق قرار فني يملكه المدرب وحده.

• حفظ مكانة رونالدو بخطة انتقال منظم إلى دور جديد يناسب المرحلة تحدد دوره حتى نهاية مسيرته الدولية وكيف نستفيد من خبرته وقيادته وكيف نبني منتخبا لا يعتمد عليه وحده.

• لا اعتذار علني مذل بل اعتراف بأن إدارة الموقف لم تكن مثالية من الجميع ثم يغلق الملف.

• بروتوكول للمستقبل يقضي بأن يناقش أي خلاف فني داخليا أولا ولا يصل إلى الإعلام قبل استنفاد الحل الداخلي.

• إعادة الفريق إلى مركز القضية برسالة واحدة من المدرب ورونالدو معا أن الخلاف انتهى وأن المنتخب أكبر من الجميع.

وفي كل ذلك ثمة خطان أحمران لا أتجاوزهما.

• لو رفض رونالدو العودة إلا بضمان اللعب أساسيا فلن أقبل الشرط.

• ولو أراد المدرب إقصاءه لمجرد إثبات سلطته فلن أقبل ذلك أيضا.

ودور رئيس الاتحاد هنا أشبه بدور رئيس مجلس الإدارة حين ينشب خلاف بين الرئيس التنفيذي وشخصية محورية فلا يحل المشكلة بأن يطلب من المدير إرضاء النجم لأن ذلك يدمر سلطة المدير ولا بأن يقول للنجم اقبل أو ارحل لأن ذلك يهدر أصلا استراتيجيا بل يقول إن القرار الفني للمدرب لكن إدارة العلاقة مسؤوليتنا جميعا وهذه من أهم قواعد الحوكمة احم سلطة القائد وأدر العلاقة Protect the authority manage the relationship.

فالمعيار هنا ليس من ربح الجدل بل ماذا ربحت المؤسسة وهذا بالضبط ما أنصح به في الاستشارات التي تصلني حين تكون الأزمة بين رئيس تنفيذي وموظف نجم يملك المبيعات أو العلاقات أو التمويل فلا أطرد النجم لأثبت قوة المدير ولا أكسر المدير لأحتفظ بالنجم بل أعيد ضبط الصلاحيات والعلاقة وأقلل اعتماد الشركة على الأشخاص تدريجيا.

لو حدثت أزمة رونالدو في شركتك

تخيل شركة تقنية بنى مؤسسها اسمها طوال عشرين عاما حتى ارتبطت علامتها التجارية به فالمؤسس هنا هو رونالدو والرئيس التنفيذي الجديد هو جيسوس ورئيس مجلس الإدارة هو رئيس الاتحاد وفريق الإدارة هم اللاعبون أما العملاء والمساهمون والسوق فهم الجمهور ثم يأتي الرئيس التنفيذي الجديد ليقود الانتقال من شركة يقودها المؤسس Founder-led Company إلى شركة تقودها المؤسسة Institution-led Company فإذا قال إنه الرئيس وإن المؤسس موظف مثل الجميع فقد يكون كلامه صحيحا تنظيميا لكنه ساذج قياديا وإذا قال المؤسس إنه صانع الشركة فلا يقرر أحد من دونه فهو يمنع المؤسسة من النضج والحل ليس انتصار أحدهما بل إعادة تعريف الأدوار.

والمشهد نفسه يتكرر في شركة لديها مدير مبيعات يحقق خمسة وثلاثين بالمئة من إيراداتها وعلاقته بأكبر خمسة عملاء أقوى من علاقتهم بالشركة نفسها ثم يأتي رئيس تنفيذي جديد يريد إعادة هيكلة المبيعات وتوزيع العملاء فيعترض النجم بأنه صانع هذه العلاقات والأرقام ويتمسك الرئيس بأنه المسؤول فإن وقفت الإدارة مع النجم في كل شيء أضعفت رئيسها التنفيذي وإن أطلقت يد الرئيس بحجة أن النجم مجرد موظف فقد تخسر ثلث إيراداتها في شهر واحد والمخرج هنا ليس البحث عمن ينتصر بل طرح خمسة أسئلة.

• هل سلطة القائد واضحة.

• هل قيمة النجم معترف بها.

• هل يرى الفريق عدالة في التعامل.

• هل تستطيع الشركة الاستمرار لو غادر أحدهما.

• هل توجد خطة لإدارة الانتقال.

فإن كان الجواب بالنفي عن أي منها فالمشكلة ليست بين شخصين بل في تصميم المؤسسة ذاتها.

المعادلة الخماسية

يمكن تلخيص النموذج في معادلة واحدة مفادها أن استدامة المؤسسة تساوي سلطة القائد مع قيمة النجم مع عدالة الفريق مع قوة المؤسسة مع إدارة الانتقال وأي خلل في أحد عناصرها له ثمن.

• إذا قويت سلطة القائد وأهدرت قيمة النجم خسرت المؤسسة مواهبها.

• إذا تعاظمت مكانة النجم وضعف القائد خسرت قيادتها.

• إذا أرضت الاثنين على حساب الفريق خسرت عدالتها.

• إذا نجحت العلاقة بينهما وبقيت معتمدة عليهما خسرت استدامتها وجزءا من قيمتها.

• إذا أدارت الحاضر ولم تخطط للانتقال فإنها لم تحل الأزمة بل أجلتها.

وفي المقابل إذا جعلت الجميع متساوين بطريقة ميكانيكية تجاهلت الواقع وإذا جعلت الاستثناءات بلا حدود قتلت المؤسسة.

وهذا ما يسميه مايكل بورتر Michael Porter أستاذ كلية هارفارد للأعمال والملقب بأبي الاستراتيجية التنافسية الحديثة بالمفاضلات Trade-offs إذ لا تستطيع المؤسسة أن تحصل على كل شيء في وقت واحد ولذلك فإن القيادة الحقيقية أن تعرف ما الذي تختاره وما الثمن الذي تقبل دفعه.

ولهذا لو حولت هذه الحالة إلى دراسة حالة Case Study لطلاب الماجستير في إدارة الأعمال لما سألتهم في النهاية من المخطئ رونالدو أم جيسوس بل لسألتهم كيف تصمم مؤسسة لا تضطر إلى الاختيار بين قائد قوي ونجم قوي لأن المؤسسة العظيمة لا تحتاج إلى كسر أحدهما حتى تحافظ على الآخر.

وخلاصة القول ألا تكسر النجم لتحمي القائد ولا تضعف القائد لترضي النجم ولا تكسر النظام من أجلهما فالمؤسسة يجب أن تكون أكبر من الجميع وقد يكون رونالدو في شركتك أي شخص يصعب تعويضه وقد يكون جيسوس رئيسا تنفيذيا جديدا كلف بالنتائج والسؤال الذي يطرحه النموذج ليس أيهما أهم بل كيف تستفيد المؤسسة من قوة الاثنين دون أن تصبح رهينة لأي منهما فالمؤسسة الناضجة لا تخاف النجوم ولا تحاربهم ولا تسلم نفسها لهم بل تجذبهم وتقدرهم وتقودهم وتصنع غيرهم وتبني نظاما قادرا على الاستمرار بعدهم والثروة الحقيقية في نهاية المطاف ليست أن تملك نجما بل أن تملك مؤسسة تصنع النجوم والقادة ثم تبقى قوية بعد رحيلهم.

شارك المقال
Xf
د. عبدالله القفاري
د. عبدالله القفاري
كل مقالاته

مقالات أخرى