يحمل قطاع المال والاستثمار العائلي مفارقة محيرة تتكرر في كل اقتصاد حول العالم فهناك عائلة في الخليج تبدأ بمحل واحد وتنتهي بمكتب عائلة يدير مليارات الدولارات في بنوك سويسرا ولندن والرياض وهناك عائلة أخرى تبدأ بمصنع أو سوبر ماركت وتبقى عند نفس الحجم تقريبا لعقدين أو ثلاثة دون أن تتجاوز عتبة المائتين مليون ريال مثلا والسؤال الذي يشغل الباحثين في علم الاقتصاد العائلي هو ما السر الحقيقي وراء هذا الانقسام الحاد.
الفجوة بالأرقام
تشير أغلب الدراسات الصادرة عن مؤسسات بحثية متخصصة في المكاتب العائلية إلى أن غالبية المكاتب العائلية حول العالم تأسست خلال الجيل الثاني أو الثالث من العائلة وليس في الجيل المؤسس إلا ما ندر، وهذا يكشف حقيقة مهمة وهي أن التحول من تاجر إلى رأسمالي ليس قرارا لحظيا بل عملية تراكمية تستغرق عقودا من إعادة توجيه رأس المال.
وفي المقابل تشير دراسات معاهد متخصصة في إدارة الأعمال العائلية إلى أن غالبية الشركات العائلية لا تتجاوز الجيل الثالث وتتوقف عن النمو أو تتفكك تماما والسبب الأكبر ليس ضعف السوق بل غياب ما يسمى نظام إعادة تخصيص رأس المال.
الفارق الجوهري: من تشغيل السلعة إلى تشغيل المال
ونعني بالعائلة التجارية المستوى الأول هنا من يدير سلعة أو مشروعا تشغيليا مباشرا وقد يستثمر أيضا في العقار أو الأسهم أو صناديق البنوك، لكنه يدير كل ذلك بنفسه أو بقرارات شخصية مباشرة، في حين أن العائلة الاستثمارية عبر المحفظة المستوى الثاني هي من تجاوزت هذا النموذج بالكامل، وأسندت مهمة إدارة الثروة لفريق احترافي مستقل يعمل مع عدة جهات محلية وعالمية متخصصة، بدلا من الاعتماد على الحكم الشخصي وحده.
من المهم توضيح نقطة قد يحدث فيها لبس وهي أن كل العائلات الثرية الكبرى في الخليج بدأت في الأساس بالطريقة نفسها التي بدأت بها العائلات التي بقيت في نموذج العائلة التجارية، أي بالتركيز الكامل على مجال تجاري واحد سلعة أو خدمة محددة، سواء كانت تجارة سيارات أو عقارات أو تجزئة أو مقاولات أو صناعات، وحققت فيه نجاحا حقيقيا ومتميزا أهلها لتكون من كبار التجار في مجالها.
والفارق الحاسم لم يكن في ترك هذا التركيز بل في ما حدث بعده، فبعد أن نجح المشروع الأساسي ونما رأس المال بشكل كبير، انتقلت هذه العائلات في المستوى الثاني من تشغيل السلعة إلى تشغيل المال نفسه، أي أن المال صار يصنع مالا جديدا عبر مكتب عائلة محترف وحوكمة واضحة وفريق وخبرات عالية، غالبا من خارج العائلة، لبناء استثمارات محلية وعالمية متنوعة وشراكات استراتيجية وعلاقات ثرية، بينما العائلة التي تجمدت عند العائلة التجارية المستوى الأول استمرت في تشغيل السلعة فقط دون أن تنتقل لهذه المرحلة الثانية وربما وضعت جزءا من أرباحها في العقارات أو الأسهم.
ومن الأمثلة الموثقة على هذا المسار أعني الثاني مجموعة عبداللطيف جميل التي بدأت تجارة سيارات في جدة منذ 1945 ثم تحولت لاحقا عبر ذراعها الاستثمارية إلى المساهمة المباشرة في عشرات الشركات الناشئة حول العالم من خلال مكتب الثروة لديهم، وأبرزها تمويلها المبكر لشركة ريفيان الأمريكية للسيارات الكهربائية في مراحلها الأولى قبل أكثر من ثماني سنوات من طرحها العام، وهي مساهمة تجاوزت قيمتها 8 مليارات دولار عند الطرح، أي ثروة مستقلة تفوق بكثير حجم النشاط التجاري الأساسي للعائلة، علما أن قيمة الصفقة في الاستثمار لم تتجاوز حوالي 303 ملايين دولار أمريكي في هذه الشركة.
ونفس المسار تكرر مع عائلات تجارية خليجية عريقة أخرى، فعائلة الراجحي انتقلت من الصرافة والتجارة التقليدية إلى محفظة مصرفية واستثمارية ضخمة، وعائلة العليان التي بدأت بنقل النفط ومواد البناء توسعت إلى أكثر من خمسين شركة ومحفظة أسهم أمريكية بمليارات الدولارات تشمل حصصا في بنوك ومؤسسات مالية عالمية كبرى، وعائلة السبيعي التي انتقلت من التجارة التقليدية إلى محفظة استثمارية متنوعة عبر شركات قابضة تدير مليارات الريالات في القطاع العقاري والصناعي والتعليمي والمالي، وعائلة الحبيب التي بدأت بالعقار والاستثمار وتوسعت إلى مجموعة قابضة متعددة الأنشطة، وعائلة العثيم التي انطلقت من التجزئة وأسست مجموعة قابضة بقطاعات متعددة، وعائلة المجدوعي من خلال مكتبهم العائلي الذي يدير عددا من الاستثمارات المحلية والعالمية في عدة قطاعات، وعائلة الفوزان التي أدارت على مدى عقود محافظ استثمارية متنوعة تشمل التجزئة والتصنيع والعقار والتجارة، وعائلة الراشد التي بدأت بتجارة مواد البناء وتوسعت لاستثمارات عقارية ومتنوعة، وعائلة التميمي التي انطلقت من التجارة البسيطة في الخمسينيات وتوسعت لتشمل قطاعات صناعية ولوجستية وعقارية متعددة، وكذلك عائلة الفطيم في الإمارات التي بدأت بتجارة الأخشاب والأقمشة وتحولت إلى إمبراطورية تجزئة وعقار تدير عشرات العلامات العالمية، وعائلة الخرافي في الكويت التي بدأت بتجارة محلية وتوسعت إلى محفظة عالمية في السياحة والصناعات الغذائية والاتصالات والبتروكيماويات عبر أكثر من ثلاثين قطاعا في عدة دول، إلى جانب المساهمة في شركات ناشئة ذات إمكانات نمو واعدة.
وهذا يفسر سرا مهما، وهو أن نقطة الانطلاق الواحدة والتركيز الأولي ليسا سببا للتجمد، بل التجمد يحدث حين تتوقف العائلة عند هذه النقطة ولا تنتقل لمرحلة تشغيل المال عبر منظومة احترافية مستقلة بدلا من الانشغال بمشاريع تدار بنفس النموذج النمطي.
كلفة رأس المال هي الحاجز الخفي
من أهم ما تكشفه أبحاث التمويل العائلي أن العائلات الكبرى تحصل على تمويل بنكي بفوائد أقل بكثير من العائلات المتوسطة بسبب ضماناتها وسجلها الائتماني الممتد، وهذا يعني أنها تستطيع شراء أصول ضخمة أو المساهمة في فرص استثمارية بأموال غيرها، بينما يضطر التاجر المتوسط لتمويل توسعه من جيبه أو بقروض مكلفة، وهذه نقطة تبدو صغيرة لكنها عبر عشرين أو ثلاثين سنة تصنع فارقا هائلا في حجم الثروة النهائية.
دور المكتب العائلي في كسر السقف
تتفق أغلب الدراسات المتخصصة في إدارة الأعمال العائلية على أن اللحظة الفاصلة في تاريخ أي عائلة ثرية هي لحظة تأسيس مكتب عائلة مستقل تتحول فيه الثروة من أصل نائم إلى رأس مال نشط يبحث باستمرار عن فرص مساهمة جديدة في أكثر من قطاع وأكثر من سوق في نفس الوقت، مع فريق احترافي وشراكات مع بيوت خبرة وبنوك عالمية، بينما تبقى العائلات التي لم تؤسس هذا الكيان رهينة لموسم تجاري واحد أو قطاع واحد يحدد مصيرها بالكامل ولو اتسعت بتملك أصول عقارية.
حجم الأصول لا يعني احترافية الإدارة
من المهم التفريق بين تاجر وصل إلى أصول عقارية أو شركة مقاولات بقيمة 500 مليون أو مليار ريال أو أكثر وبين عائلة وصلت لنفس الحجم تقريبا ولكنها بنت منظومة احترافية لإدارته، فالعائلة التجارية قد تملك أصولا ضخمة لكنها تبقى في الغالب مرتبطة بشخصه وقراراته المباشرة دون نظام إداري مستقل يديرها بحكمة واستمرارية.
بينما من انتقل للعائلة الاستثمارية عبر المحفظة أسس ما يشبه مكتب عائلة حقيقي يدير الاستثمارات بشكل احترافي ومستمر بحيث يضمن مردودا سنويا ثابتا يكفي حاجة العائلة والأعمال الخيرية وغيرها، وفي الوقت نفسه يعيد تدوير الفائض في مشاريع ومجالات جديدة محليا وعالميا، وهذا الفارق هو ما يفسر لماذا تجد بعض العائلات تستثمر في عدة قطاعات ومع شركات ناجحة محليا وعالميا، بينما عائلات أخرى تملك أصولا بنفس القيمة تقريبا لكنها بلا نظام يحفظها أو يطورها، وهذا ما أشاهده كثيرا من خلال الاستشارات والكوتش الذي أقدمه مع بعض هذه العائلات.
والنتيجة الطبيعية لغياب هذا النظام أن الأصول التي بناها الجيل المؤسس غالبا تنتقل كما هي للأبناء دون تطوير، فلا يستطيع الجيل الثاني التفريط بها لأنها رأس مال العائلة الوحيد، ثم تأتي مرحلة تقسيم الميراث بين الورثة فتتوزع نفس الأصول على عدد أكبر من الأفراد، وينتهي الأمر بثروة أقل تراكميا مما كانت عليه، وربما مشاكل وخلافات تدمر العلاقات داخل الأسرة، وتوقف الشركة عن الاستمرار، وهذا ما تكرر في كثير من العائلات التي توسعت أصولها في الجيل الأول ثم تقلصت فعليا مع الجيل الثاني والثالث بسبب غياب المنظومة الاحترافية التي تحمي الثروة وتنميها بدل أن تقسمها فقط.
وأخيرا هذا الفارق البنيوي في طريقة التعامل مع رأس المال هو ما يفسر جزءا كبيرا من الفجوة بين العائلات، لكنه ليس كل القصة، فهناك فارق آخر أعمق يتعلق بالجانب النفسي والسلوكي عند التاجر نفسه، وهذا ما يكشفه المقالات اللاحقة.
