والله وحشتونا

وصلت الطائرة التي تحمل على متنها ضيوف الرحمن القادمين من إندونيسيا، نزل أحد الحجاج وسجد لله شكرا على وصوله إلى أرض الحرمين الشريفين..

قام من سجوده ودموعه لا تتوقف، يبكي بشدة، ويبدو عاجزًا عن السيطرة على مشاعره، وهذا منظر طبيعي اعتاد عليه كل من يعمل في ساحة المطار، وظل الحاج مستمرا في بكائه مما جعل أحدهم يسأله لم كل هذا البكاء؟ فأجاب قائلا: كنت أظن- وبسبب جائحة كورونا- أنني لن أنعم برؤية البقاع الطاهرة. لقد انتظرت هذا اللقاء زمنًا طويلًا، وصرفت من أجله أغلى ما أملك، وعندما جاء دوري للحج في عام 2020م ظهرت الجائحة، وتمَّ تأجيل الموعد إلى موسم الحج التالي، ثم تأجل دوري مجددا-لذات السبب- إلى عام 2022م، وها أنا أخيرًا في البقاع الطاهرة.

عاد الحج بشكله الذي نعرفه، وعاد الحجاج وهم في غمرة من السعادة والمملكة قيادة وشعبا في غاية الشوق إلى لقائهم. وصلوا إلى المطار والكل مهلل ومرحب بهم، والجميع ينشدون «طلع البدر علينا» سعادة بضيوف الرحمن. أصبحنا نسمع مجددا (من هنا يا حاج، طريق يا حاج)، وعدنا مرة أخرى نقابل الحجاج في الأسواق، ونقدمهم على أنفسنا في الطوابير، ونصلي في مساجد الأحياء ولا نزاحمهم في الحرم. نرشدهم إلى مقر سكنهم، ونقف عند إشارات المرور ونحن ننظر إليهم بحب وهم يمرون بنا في حافلاتهم، واصلين إلى الديار المقدسة للتو.

الشباب انخرطوا في العمل بالفنادق وشركات الإعاشة والطوافة والأدلاء، توزعوا بين عرفات ومنى، ينصبون الخيام ويجهزون المواقع. في مثل هذه الأيام، يصل الدعم البشري إلى الحرمين الشريفين والمشاعر المقدسة من كل أنحاء المملكة، يتوافد أبناء الوطن المخلصين من كل القطاعات. من الشرطة والمرور والصحة والدفاع المدني.. إلخ.

الكل مستعد، المخيمات في عرفة تجهّز، مقرات الدوائر الحكومية مضاءة، المستشفيات الميدانية مفتوحة، العمل في منى على مدار 24 ساعة، أغلب فنادق مكة المكرمة والمدينة المنورة بدأت تمتلئ شيئا فشيئا، أصوات محركات الحافلات وهدير طائرات الهليكوبتر في كل مكان، محلات الخردوات التي كانت مغلقة لأكثر من عامين عادت للعمل، ومحلات الصرافة وتحويل العملات، ومياه زمزم متوافرة في كل المواقع. خلال هذه الأيام يتم تحضير المعمول في بعض البيوت، ويمكن للعابرين ملاحظة ذلك بسبب الرائحة النفاذة للسمن (البري).

الحج فترة زمنية يعاد فيها تشكيل نمط حياة كل من له علاقة به. أمور وقضايا ومناسبات تتأجل، ومبيت ربما لا يكون في المنزل، ومهن ووظائف تتغير، والأهم من ذلك كله، الأولوية التي تعطى لهذا الضيف الكريم «الحج» ابتداء من ملك البلاد إلى أصغر إنسان يعمل في خدمة الحاج.

يا حجاج بيت الله.. والله وحشتونا.

قد يعجبك أيضاً

No stories found.
صحيفة عاجل
ajel.sa