في يوم الوطن..
ندرك أن الوطن ليس رقعةً تُقاس مسافاتُها، بل وجدان أمّة يحلّق في السَّماء؛ هو هوية تسافر معنا حيث حلَلْنا، ووجوهٌ تُشرق بالعطاء، وروحٌ تسري في كل من اختار أن تكون بصمته رفعةً تضاف إلى هذا المجد.
رأيت وطني في الطبيب الإنسان؛ في دكتور عطيف، ودكتور يوسف القرني، وأمثالهما ممّن تحوّل العلم في أيديهم من معرفةٍ تُكتسب إلى رسالةٍ تُؤدّى، ومن مهنةٍ تُمارَس إلى رحمةٍ تُسدى. رأيتُ فيهم كيفَ يغدو النجاح أرفع وأسمى حين تسخَّر المكانةُ للمسؤولية، ويستحيلُ العلمُ أثراً يربو على الزّمان.
ورأيتُه في إشراقةِ جيلٍ صاعد؛ في "علا" و"هند"، شابتين في ربيع العمر بأحلامٍ تفوق أعمارهن. لم تنتظرا السُّبل بل ذلّلتَاها، فحوّلتا الطموح إلى واقع، والفكرة إلى صرحٍ ينبض بالحياة في شكل مركز رياضي. وفي قصّتهما تتجلّى صورة رائدات الأعمال اللاتي لا ينتظرن المستقبل، بل يطرقنَ أبوابَهُ بثبات، ليصنعن لأنفسهنَّ مكاناً، ولغيرهنّ أفقاً.
ورأيته في "عبد الله".. شاب لم ينتظر حَفْلاً ليعطي، ولا منصة ليستعرض. اختار أن يطأ بجهده طريق البرّ، ينقل المعتمرين وزوّار بيت الله الحرام إلى مقارّ إقامتهم احتسابا، ومحبة في خدمة ضيوف الرحمن. ولأن أزكى العطاء ما استتر، كان يداري إحسانَهُ حتى عن أعين من يحسن إليهم؛ فإذا سُئل عن عمله نسب نفسه إلى فندق المعتمر، ليمضي أثره خالصا، بعيداً عن الثناء. في عبد الله لم أرَ مجرَّد صنيعٍ فردي، بل رأيت سجية جيل يحمل الخير في فطرته؛ جيلٍ ربما لا يملك القرار، لكنه يملك القلب الحيّ واليد الندِيّة، ويرى في نفع الناس أسمى معاني الانتماء.
في هؤلاء، أدركت أن للوطن أبطالاً يمارسون وطنيتهم بصمت؛ لا يرفعون الراية بالأيدي فحسب، بل يجسّدون معناها في السلوك، مؤمنين بأن خدمة الإنسان هي أبهى صور خدمة الوطن. فما أجمله من جيلٍ إذا أحبّ جعل الحب عملاً، وإذا أعطى بسَط يده دون انتظار شكر أو إشارة!
ووجدت وطني في الحكاية الأقرب إلى روحي.. في ابني "فيصل"، وفي إصراره وخُلُقه ومكابدته لبناء ذاته رغم الصعاب؛ رأيت فيه الرجل الذي لا ينتظر تمهيد الطريق، بل يصنع من العقبات معبراً. ورأيته في أبنائي وبناتي جميعاً وهم يشقّون عبابَ الحياة، يختارون الطريق الأكرم وإن كان أصعب، يتعثرون فينهضون ليسترشدوا بالقيم والطموح. أؤمن أن أعظم ما نهبُه لوطننا ليس أبناءً ناجحين لأنفسهم فحسب، بل أبناءً يدركون أن النجاح لا يكتمل إلا حين يغدو باب خيرٍ للآخرين، ليكونوا سفراء للأرض التي أنجبتهم.
ثم هناك من يقفون في الذُّرا؛ جنودنا البواسل.. أولئك الذين جعلوا حراسةَ ثغورنا شرفاً، وأمْننَا عهداً. بينما نمضي في سكونِ أيامنا، يسهرون لتستمرّ هذه السكينة، فلهم منّا خبوءُ الدعاء ووافر الامتنان.
هذه الحكاياتُ ليست شتاتاً من السِّيَر، بل هي نسيجٌ لوطنٍ واحد؛ يظهر في حكمةِ طبيبه، وجسارةِ صانعةِ استثماره، وبذلِ شابّه، وثباتِ ابنه، وبسالةِ جنديه. وحين تتلاقى هذه الأطراف، تكتمل الملحمة. فالوطنية ليست عاطفةً تُكنّ، ولا شعاراً يُردّد، بل هي التزامٌ يوميٌ بسؤال: "ماذا أضفتُ للدار؟"
ولعل هذا الشغفَ والجسارةَ على الحلم هما ثمرةُ رؤيةٍ طموحة استلهمناها من صانعِ الشغف، سمو ولي العهد الأمير محمد بن سلمان -حفظه الله-، فأصبحنا نرى في جبل "طويق" رمزاً لِعزّنا: ثباتاً، وهمّة لا تنكسر.
هكذا أرى وطني اليوم.. لا مجرد علَمٍ يرفرف في المدى، بل إنساناً يبني، وأسرةً تُربي، وجيلاً يحلم ويحقق. وطن لا أكتفي بأن أسكن أرضه، بل يسكنني.
وفي يومه المجيد، لا أقول: هذا وطني فحسب..
بل أقول: هذا وطني، وهذه غراسه، وهذا أثرنا فيه.
دام عزُّك يا وطن، ودام بنوكَ أوفياء، ودامت رايتُك خفّاقة بالسُّؤدد والرخاء.