كثيرا ما يتناهى إلى أسماعنا مصطلح (المعادلة الصعبة)، بتعريفه الأقرب إلى المعنى الرياضي، بما يتضمنه من طرفين يصعب الموازنة أو تحقيق التساوي بينهما، ويستخدم مجازيا للإشارة إلى أمر معقد يصعب إنجازه أو التوفيق بين جوانبه، وباختصار، هي أي مسألة، سواء كانت رياضية أو حياتية، تتطلب حلولا غير تقليدية وتواجه تعارضا في أطرافها.
التغيير بالتعديل أو التطوير، هو سنة كونية، رأينا مظاهرها رأي العين في الكثير من تجاربنا الحياتية، حيث لم يترك جانبا منها إلا وشملها؛ فأعلى بنيانها وطور فيها.
أسوق كلامي هذا وأنا أقترب من موضوع ـ ربما يكون شائكا ـ ليس لصعوبة التعاطي معه، ولكن لخضوعه أخيرا لوجهات نظر، وحسابات مكسب وخسارة آنية، مبتعدة كل البعد عن حسابات أوسع وأشمل لأهل الاختصاص، واستبدالها بحسابات نابعة من عقول ليست منفتحة بشكل يتلاءم مع طبيعة المراحل التي نعيشها، وقد وجدت نفسها أمام مسؤولية من أخطر المسؤوليات. ومع علمها بقدرها ومقدارها ـ فهي أولا وأخيرا ليست من شرع أو استن طرائق ناجعة اتفق عليها كل الأطراف لتخطي مثل هذه العقبات ـ لكنها وبما تقوم به من أدوار غير محسوبة عواقبها، لم تترك الفرصة لغيرها، مع يقينها التام بأحقية الآخر في تحملها، وهو ما يعتبر امتدادا لحسابات المكسب والخسارة الآنية التي ذكرناها آنفا.
وللولوج إلى لب الموضوع الذي نحن بصدد عرضه وتحليله ومناقشته، في إطار حسابات الشكل والمضمون، فإنني أقف عند قضية تخص أخوتنا وأبناءنا طلبة وطالبات بعض المدارس، الخاصة منها على وجه التحديد.
لا يختلف اثنان على أهمية التطوير الدائم في قدرات المعلم، سواء من ناحية المادة العلمية التي يقدمها للطلبة ـ وهي خاضعة لمناهج متكاملة وراقية ونافذة ـ بشهادة أصحاب الرؤى والمختصين ـ قررتها وزارة التعليم ـ، أو من ناحية الوسائل المعينة التي تساعد المعلم على إيصال المعلومة للطالب، وهي في نفس الوقت تفيد الطالب أيما إفادة في رسوخ المعلومة في ذهنه، وقد لا حظنا أخيرا الكم الهائل من الوسائل المعينة في ذلك، ومنها اعتماد المعلم على وسائل إيضاح بداية من البروجيكتور، مرورا بالسبورات الذكية، وصولا إلى استخدام المنصات التعليمية التي تعتمدها كل مدرسة على حدة، حتى وصل ببعض الشركات التعليمية التي تضم العديد من المجمعات التعليمية تحت إدارتها، إلى تخصيص منصة تعليمية خاصة بها. هذا طبعا عدا تحفيز بعض المجمعات التعليمية والمدارس الخاصة معلميها على استخدام الذكاء الاصطناعي في تحضير الدروس، وإعداد الاختبارات على اختلاف أشكالها وتوقيتاتها، حتى طرق التقييم شملتها أدوات الذكاء الاصطناعي، بالإضافة إلى تسخير الذكاء الاصطناعي لإعداد المواد المعروضة على الطلبة سواء من ناحية عروض الباور بوينت، أو عروض الفيديو المصورة، هذه التقنية التي أثبتت نجاعتها مع الطلبة في كل مراحل التعليم.
وهنا تأتي المفارقة، المنهج الذي تتخذه بعض إدارات المدارس الخاصة، في متابعة المعلم من خلال نوافذ الصفوف الدراسية الزجاجية، للاطمئنان على أن المعلم يأخذ بأسباب التطوير، ولا تتطرق إلى النتائج التي وصل إليها المعلم مع طلابه في مادته العلمية التي يدرسها لهم، وخروج التقارير التي تقيم المعلم بناء على ما تم من إجراء شكلي فقط، وبناء عليه وصل بعض المعلمين إلى قناعة بأن أهم شيء يقدمه للطلاب والإدارة في الصفوف الدراسية، هو اهتمامه بهذا الإجراء الشكلي، باهتمامه بشكل السبورة ورسمها رسما أنيقا، وتشغيل البروجيكتور أمام الطلبة، مهما أخذ منه هذا الإجراء من وقت، حتى ولو على حساب المستوى التحصيلي للطلبة في مادته العلمية، أمام من يمر عليه من مسؤولي بعض إدارات هذه المدارس الخاصة.
وأمام هذه الحالات ـ التي أعتبرها نادرة ـ هناك حالات كثيرة في الأغلب الأعم، لمدارس خاصة، شهد لها القاصي والداني، من اعتماد منهج علمي وتربوي مدروس في متابعة منتسبيها من أعضاء هيئة التدريس، ومتابعة مستويات التحصيل العلمي للطلبة فيها، بما يتوافق مع مكتسباتها المبنية على التطوير الدائم والخبرات المكتسبة، والاستفادة من التطور التكنولوجي والعلمي الهائل الذي تشهده مدارس المملكة، الحكومية منها والخاصة.
وحتى لا نضيع أجر من أحسن عملا من المعلمين، فهناك من يحاول قدر المستطاع، أن يوازن بين اتباع التعليمات الإدارية، وحصول الطالب على أكبر فائدة تحصيلية في مادته التعليمية، لتنفيذ حصته الدراسية على أكمل وجه، ولكن دائما ما يحتاج منه هذا التوازن إلى كثير من الجهد، حتى يحقق المعادلة الصعبة.
نقطة أخرى في هذا الجانب، وهو أن بعض إدارات المدارس الخاصة تثقل المعلم بأعمال إدارية خلال وقت الحصة الدراسية، بما يشغله عن دوره الأساسي المنوط به في إيصال المعلومة للطالب، وأداء دوره التربوي داخل الصف الدراسي.
وبناء على ما سبق، فإنه حري ببعض إدارات المدارس الخاصة التي تقيم أداء المعلم على أساس الشكل على حساب المضمون ـ والتي لا ترقى إلى مستوى الظاهرة ـ أن يعيدوا حساباتهم، ويكون التقييم حقيقيا، شكلا ومضمونا، حتى تؤتي جهود وزارة التعليم المتلاحقة ثمارها في النهوض الدائم والمتوازن بالعملية التعليمية.
حفظ الله المملكة العربية السعودية، وحفظ أولى الأمر فيها وحكومتها الرشيدة، وحفظ الشعب السعودي الأبي.