في كل مرة أجلس فيها مع صاحب ثروة حقيقي في جلسة استشارية أو كوتش، يصدمني نفس المشهد: الرجل يعرف تماماً ما يجب فعله، يعرف أنه يحتاج ميثاقاً عائلياً، ويعرف أن ثروته مرتبطة بشخصه أكثر مما ينبغي، ويعرف أن الجيل القادم غير مؤهل بعد، ويعرف كل التفاصيل التي تحدثنا عنها في هذه السلسلة، لكنه لم يفعل شيئاً من ذلك بعد، ولا يبدو أنه سيفعل قريباً.
وهذا ليس ضعفاً أو كسلاً، بل هو ظاهرة موثقة علمياً لها أسباب عميقة وتستحق أن نقف عندها.
الفجوة بين المعرفة والفعل
يُعرِّف علماء علم النفس السلوكي هذه الظاهرة بـ"فجوة المعرفة والفعل" (Knowing-Doing Gap)، وهي الهوة الواسعة بين ما يعرفه الإنسان ويقتنع به وبين ما يفعله فعلاً، وهي ليست ظاهرة نادرة بل هي القاعدة لا الاستثناء في عالم القرارات الكبرى والتغييرات الجوهرية.
وفي سياق إدارة الثروات العائلية، تكون هذه الفجوة أكبر وأعمق من أي مجال آخر، لأن القرارات هنا ليست مجرد قرارات مالية بل هي قرارات تمس الهوية والسيطرة والعلاقات والإرث، وكل هذه العوامل تجعل الفعل أصعب بكثير من المعرفة.
لماذا يتوقف صاحب الثروة عند المعرفة؟
السبب الأول هو وهم السيطرة، فصاحب الثروة الذي بنى كل شيء بيديه طوّر على مدى عقود إحساساً عميقاً بأن الأمور تسير بشكل صحيح حين يكون هو المتحكم فيها، وتأسيس مكتب عائلي أو بناء حوكمة يعني التخلي عن جزء من هذه السيطرة، وهذا التخلي يشعره لاوعياً بالخطر حتى حين يعرف عقلانياً أنه الخطوة الصحيحة.
والسبب الثاني هو الهوية المرتبطة بالعمل، فكثير من أصحاب الثروات لا يفرقون بين أنفسهم وبين ثرواتهم وأعمالهم، فهم لا يملكون شركة بل هم الشركة، ولا يديرون ثروة بل هم الثروة، وأي حديث عن إعادة هيكلة أو تفويض أو مكتب مستقل يُشعرهم لاوعياً أنهم يتخلون عن جزء من هويتهم لا عن جزء من إدارتهم فقط.
والسبب الثالث هو الخوف من إثارة الحساسيات العائلية، فكثير منهم يعرف أن فتح نقاش الحوكمة والميثاق سيفتح معه نقاشات أعمق عن الحصص والميراث والأدوار وربما يثير توترات كامنة، فيؤجل الخطوة الصحيحة هرباً من المواجهة التي قد تتبعها.
والسبب الرابع هو الانشغال الدائم، وهو أكثر المبررات شيوعاً، فصاحب الثروة غالباً رجل مشغول فعلاً، والمشاريع التشغيلية تستنزف وقته وطاقته، وكل يوم يجد أن هناك ما هو أكثر إلحاحاً مما هو مهم، فيتأجل الأهم لصالح الملح ويستمر هذا لسنوات.
والسبب الخامس هو غياب المحاسبة الخارجية، فحين تكون القرارات تجارية يومية يوجد ضغط السوق والمنافسة والمستحقات التي تُجبرك على الفعل، لكن قرار بناء الحوكمة العائلية لا يوجد ما يُلزمك به خارجياً، فيبقى في خانة "سأفعله يوماً ما" إلى أجل غير مسمى.
قصة الشويرخ.. حين أدرك المؤسس الخطر ولم يستعد له بما يكفي
ومن أوضح الأمثلة على هذه الفجوة قصة محمد بن علي الشويرخ مؤسس مصرف الشويرخ في الرياض، وقد ذكرنا تفاصيلها في المقال السادس. فقد بنى ثروته عبر سنوات طويلة من التجارة والصيرفة حتى أصبح يدير أموالاً كبيرة بعضها له وبعضها لغيره، وكان يدرك خطر الغد. وبحسب رواية ابنه صالح، حين توفي ابنه الأكبر سليمان الذي كان يعينه في التجارة قال لوالدته: «الأموال ستذهب لأن أولادي صغار».
وبعد وفاة الشويرخ عام 1391هـ تولى ابنه فهد الإدارة وهو شاب صغير، ودخل بحسب رواية الأسرة في مشروع خاسر تجاوزت خسارته 90 مليون ريال شملت أموال العائلة وأموال الآخرين، وانتهى الأمر بانهيار الثروة والنشاط المصرفي.
ولا نستطيع الجزم بأن إجراءات مؤسسية كانت ستمنع هذه الخسارة، لكن الروايات المتاحة لا توثق خطة كافية لانتقال القيادة ولا فريقاً مالياً وإدارياً مستقلاً يراجع القرارات الاستثمارية الكبرى للابن. وكان يمكن أن يخفف الخطر مجلس إدارة من أصحاب الخبرة ومدير مالي محترف ولجنة استثمار تحدد صلاحيات الابن وحدود المخاطرة، مع برنامج تدريجي لتأهيل الورثة. فالمؤسس عرف الخطر وقاله بلسانه، لكن المعرفة التي لا تتحول إلى مؤسسة تبقى كلمة لا تحمي مالاً.
الفارق بين المعرفة والحكمة
يقول أحد أبرز المفكرين في هذا المجال إن المعرفة هي أن تعرف الطريق، والحكمة هي أن تمشي فيه، والفجوة بين الاثنين لا يسدها المزيد من المعرفة بل يسدها شيء مختلف تماماً: وضوح الأولويات وقوة الإرادة والمحاسبة المستمرة.
ولهذا فإن كثيراً من أصحاب الثروات يقرؤون كتباً ويحضرون مؤتمرات ويستمعون لمحاضرات عن الحوكمة والثروة العائلية، ثم يعودون إلى نفس الروتين دون أن يتغير شيء، ليس لأنهم لم يستفيدوا بل لأن المعرفة وحدها لا تصنع التغيير، التغيير يصنعه قرار مختلف وبيئة مختلفة ومحاسبة مختلفة.
ما الذي يُغلق هذه الفجوة فعلاً؟
البحث العلمي في علم السلوك التنظيمي يكشف أن الفجوة بين المعرفة والفعل تُغلق بثلاثة عوامل مجتمعة لا بواحد منها.
الأول هو الوضوح العميق للهدف، ليس "أريد بناء مكتب عائلي" بل "أريد أن أضمن أن ثروتي ستنتقل لأبنائي كاملة وموحدة ودون صراع بعد خمس سنوات من الآن"، فكلما كان الهدف أكثر تحديداً وشخصية كان الدافع أقوى للفعل.
والثاني هو بيئة المحاسبة، أي وجود شخص أو منظومة تسألك بانتظام: ماذا فعلت هذا الأسبوع نحو هدفك؟ وهذا السؤال البسيط يصنع فارقاً هائلاً لأنه يحول الهدف البعيد إلى التزام قريب. ولهذا بالتحديد أصبح من الشائع في أوساط العائلات الثرية في الغرب الاستعانة بكوتش متخصص في الثروات العائلية، لا لأنهم يفتقرون للمعرفة بل لأنهم يحتاجون من يضمن أنهم في مسار التطبيق لا في مسار التنظير، عبر جلسات منتظمة ومستمرة طوال العام تحول القناعات إلى قرارات والقرارات إلى أفعال.
والثالث هو مواجهة التكلفة الحقيقية للتأجيل، فحين يرى صاحب الثروة بوضوح ما يخسره كل يوم يؤجل فيه، لا مجرد ما سيكسبه حين ينفذ، يتحرك بشكل مختلف، لأن الألم أقوى دافع للفعل من الأمل.
وأخيرا هذا المقال لم يكن عن الثروة بل عن الإنسان الذي يملكها، لأن أكبر عائق أمام عائلة الشبكة الراشدة ليس غياب المعرفة ولا غياب المال ولا حتى غياب المستشار المناسب، بل هو الفجوة الداخلية بين ما يعرفه صاحب الثروة وما يفعله فعلاً، وهذه الفجوة لا يسدها كتاب أو محاضرة بل يسدها قرار واحد: أن تبدأ اليوم لا غداً.
د. عبدالله القفاري
@DrAlqefari
