مفارقة الماء والألماس

تم النشر في

تُعد مفارقة الماء والألماس واحدة من أشهر الإشكالات الفكرية في علم الاقتصاد، حيث تطرح تساؤلًا بسيطًا في ظاهره عميقًا في جوهره لماذا يُعد الماء ضروريًا للحياة لكنه منخفض السعر بينما يُعد الألماس غير ضروري نسبيًا لكنه مرتفع القيمة هذه المفارقة حيّرت الاقتصاديين الكلاسيكيين لسنوات إلى أن جاء مفهوم المنفعة الحدية ليقدم تفسيرًا منطقيًا ودقيقًا.

مفهوم المنفعة الحدية الذي طوره الاقتصاديون الكلاسيكيون الجدد لاحقًا  يوضح ان الماء رغم ارتفاع منفعته الكلية كونه شرطًا للبقاء إلا أن منفعته الحدية منخفضة فمثلًا عند شرب الماء يكون الكوب الأول شديد الأهمية لأنه يروي العطش بينما تقل أهمية الكوب الثاني ثم الثالث حتى تصبح المنفعة شبه معدومة.

 أي أن كل وحدة إضافية من الماء (كوب إضافي مثلاً) تحقق فائدة قليلة جدًا لأننا نستهلك الماء بكميات وفيرة يوميًا وعند نقطة معينة قد تصبح المنفعة الحدية للماء صفرًا أو حتى سالبة (إذا شربنا كمية زائدة).

أما الألماس فهو نادر بطبيعته ولا يُستهلك بكميات كبيرة لذلك تبقى المنفعة الحدية للوحدة الإضافية منه مرتفعة مما يبرر سعره العالي.

وقد ساهم الاقتصادي آدم سميث في طرح هذه المفارقة في كتابه ثروة الأمم، إلا أن الحل الحقيقي جاء لاحقًا مع المدرسة الحدية التي أعادت تعريف القيمة بناءً على المنفعة الحدية وليس المنفعة الكلية.

ومن منظور تطبيقي تساعدنا هذه الفكرة في فهم سلوك المستهلك واتخاذ القرارات الاقتصادية سواء على مستوى الأفراد أو الشركات حيث يتم تسعير السلع والخدمات بناءً على الندرة والمنفعة الحدية وليس فقط على أهميتها الأساسية.

في النهاية تعكس مفارقة الماء والألماس حقيقة اقتصادية مهمة أن القيمة لا تُقاس بما هو ضروري للحياة فقط بل بما يضيفه كل استهلاك إضافي من منفعة وهو ما يجعل فهم المنفعة الحدية أداة أساسية لتحليل الأسواق الحديثة واتجاهات الطلب.

هذه المفارقة شكلت نقطة تحول في النظرية الاقتصادية، وأسست لفهم آلية التسعير في الأسواق وأظهرت أن القيمة الاقتصادية لا تتحدد بمدى حاجة الإنسان للسلعة بل بمدى ندرتها وإشباع الرغبة في وحدتها الإضافية.

المستشار فرحان حسن

X: https://twitter.com/farhan_939

‏e-mail: fhshasn@gmail.com

قد يعجبك أيضاً

No stories found.
logo
صحيفة عاجل
ajel.sa