الفلاح المتنقل

حين يتحول رائد الأعمال من البناء إلى مطاردة الإثارة
تم النشر في

هناك نمط من أصحاب الأعمال يمكن وصفه بالفلاح المتنقل ذلك الذي لا يستقر في أرض حتى يجني ثمرتها.

يفتح مشروعاً ثم يغلقه ويدخل شراكة ثم يخرج منها وينتقل من فرصة إلى أخرى وكأن النجاح موجود دائماً في المكان التالي لا في المشروع الذي بين يديه.

تمر السنوات ويبقى في الدائرة ذاتها بدايات كثيرة وحماس متكرر ونتائج لا تصمد، وفي المقابل قد ترى شخصاً أصغر منه سناً وأقل خبرة لكنه اختار مشروعاً واحداً وصبر عليه وتعلم من أخطائه وبنى أنظمته تدريجياً فكبر المشروع وكبرت معه حياته.

هذا النوع لا يركض دائماً نحو الفرص كما يظن، بل يهرب أحياناً من مواجهة المشكلات الحقيقية يعيش على طاقة البداية ونشوة الفكرة الجديدة لكنه حين يصل المشروع إلى مرحلة تحتاج صبراً وأنظمة وفهماً للأرقام يبدأ بالشعور بالاختناق ثم يبحث عن مشروع جديد يعيد له شعور الإثارة الأولى.

وكثير من مشاريعه لا تغلق لأنها فاشلة بالضرورة، بل لأنها وصلت إلى مرحلة تحتاج عمقاً إدارياً ومالياً وتشغيلياً لكنه يفسر التعب والبطء على أنهما دليل على أن المشروع خطأ، فينسحب ويبدأ من جديد وهكذا قد يبلغ مرحلة متقدمة من العمر وقد جرب الكثير لكنه لم يبنِ شيئاً ثابتاً يمكن أن يستند إليه.

المشكلة أن هذا النمط لا يبني مؤسسة، بل يبني تبعية لشخصه، كل شيء قائم على وجوده والعمال يتحركون لأنه حاضر والقرارات في رأسه وإذا غاب تعطلت الأعمال ومع تعدد المشاريع لا يحصل أي مشروع على حقه من التركيز ولا يحصل هو على حقه من الراحة.

ويزداد الخلل حين يعتمد على البيع والشراء دون فهم حقيقي لأرقامه لا يعرف هامش ربحه الفعلي ولا تكلفة المخزون الراكد ولا أثر البيع الآجل على السيولة يرى كثرة الحركة فيظنها نجاحاً، بينما قد تكون في حقيقتها فوضى مكلفة ترتدي شكل النشاط.

ومن أخطر ما يقع فيه هذا النموذج أنه يعالج الدين بالدين كل التزام يغطيه بالتزام جديد وكل أزمة يؤجلها بقرض أو شريك جديد تحت اسم التوسع وحين تضيق الدائرة لا يعالج أصل المشكلة، بل يرحلها إلى الأمام كما تختلط أموال المشاريع بالمصاريف الشخصية حتى لا يعود واضحاً أين تحقق الربح وأين وقعت الخسارة.

ويزيد الأمر سوءاً حين يظن أن النجاة في البحث عن الأرخص دائماً؛ فيحيط نفسه بأشخاص يحتاجون متابعة مستمرة وتصحيحاً دائماً فيتحول التوفير الظاهري إلى تكلفة خفية أكبر.

جوهر المشكلة أن هذا النوع غالباً يرى أخطاء الجميع إلا نفسه، يحلل مشاريع الآخرين بدقة ويتحدث عن إخفاقاتهم بثقة بينما يقع في الأخطاء ذاتها أو أشد منها؛ لأنه يستخدم معيارين مختلفين فأخطاء الآخرين حقائق وأخطاؤه ظروف مؤقتة وكل فشل يخرج منه بتفسير يبعد المسؤولية عنه والسوق والعمال والشريك والظروف ونادراً ما يبدأ التفسير من الجملة الأهم أنا أخطأت.

والمؤلم أن هذا النمط قد لا يرى نفسه أبداً، من حوله يرون الدائرة بوضوح وهو الوحيد الذي يعتقد أن المشروع القادم سيغير كل شيء بعض الناس لا تغيرهم التجارب لأنهم لا يقرؤونها أصلاً.

والنصيحة لمن يرى شيئاً من نفسه في هذا الوصف قبل أن تبدأ مشروعاً جديداً اسأل نفسك بصدق لماذا أغلقت المشاريع السابقة إذا كانت كل الإجابات تبدأ بالظروف والناس والسوق فأنت لم تصل بعد إلى أصل المشكلة.

ركز على مشروع واحدا وتعلم قراءة  أرقامك، وافصل أموالك الشخصية عن أموال مشروعك ولا تدخل شراكة خوفاً من التأخر، وتوقف عن الاقتراض لتغطية أخطاء لم تعالج أصلها.

فالبناء الحقيقي لا يبدأ بكثرة المشاريع بل بالقدرة على الثبات أمام مشروع واحد حتى ينضج.

logo
صحيفة عاجل
ajel.sa