في كل مرة يشتكي فيها موظف من أن راتبه لا يكفي لشراء عقار أو بدء مشروع كبير، يغيب عنه أن كثيرا من أكبر القصص التجارية في العالم لم تبدأ بمبلغ ضخم بل بدأت بشيء صغير جدا يملكه الشخص بين يديه فقد بدأت منصة إيربيإنبي حين لم يجد شابان في سان فرانسيسكو ما يدفعان به إيجار شقتهما، فوضعا مرتبة هواء في غرفة المعيشة وأجّراها لأحد الحضور في مؤتمر قريب من الشقة ذلك الأصل الصغير جدا مرتبة هواء واحدة تحول لاحقا إلى شركة عالمية تدير ملايين الوحدات السكنية حول العالم.
القصة تتكرر بصور مختلفة في كل مجال، والدرس فيها واحد: لا تنتظر الأصل الكبير لتبدأ بل ابدأ بأي أصل صغير تحت يدك اليوم وهذا ما تؤكده الأرقام أيضا فتشير دراسات مالية عالمية إلى أن أغلب أصحاب الملايين لا يعتمدون على مصدر دخل واحد بل يملكون في المتوسط سبعة مصادر دخل مختلفة تعمل معا بدل الاعتماد على راتب واحد فقط وهذا بالضبط جوهر فكرة الأصل الدوّار.
ما هو الأصل الدوّار
الأصل الدوّار هو أن تملك حصصا صغيرة في عدة أصول تدر عليك دخلا في نفس الوقت وتديرها من مكان واحد وكأنها محفظة أصول مصغرة داخل مجال تفهمه أنت جيدا تختار قطاعا تعرفه بحكم عملك أو اهتمامك ثم تبحث فيه عن أصول صغيرة يمكن شراؤها بمبالغ محدودة وتؤجرها بعقود قصيرة بدل الاعتماد على راتب واحد فقط ومع الوقت يتحول دخلك من مصدر واحد إلى عدة مصادر صغيرة داخل نفس المجال الذي تفهمه.
هذه الفكرة تختلف عن الطرح التقليدي الذي يتحدث عن شراء أصول عامة مثل عقارات وأسهم دون ربطها بتخصص الشخص لأنها تحول خبرتك المهنية نفسها إلى ميزة استثمارية فأنت تعرف من يحتاج هذا الأصل ومتى يحتاجه أكثر من أي مستثمر عادي وبهذا لا تنافس عامة الناس في سوق مزدحم بل تبني سوقا صغيرا خاصا بك مبنيا على معرفتك.
الشيء المُنتِج والشيء المُستهلَك
الفرق بين من يبني ثروة ومن يبقى في مكانه طوال حياته يكمن في فهم بسيط لكنه عميق، هناك أشياء تشتريها فتعيد إليك جزءا من ثمنها كل شهر وهناك أشياء تشتريها فتنتهي قيمتها بمجرد استخدامها أغلب الناس يوجهون رواتبهم نحو النوع الثاني سيارة تنقص قيمتها كل عام أو أغراض تستهلك الراتب ولا تعيد له شيئا بينما القلة التي تفكر بعقلية مختلفة تبحث عن شيء صغير يشترى مرة ويعاد استخدامه أو تأجيره عشرات المرات هذا الفرق بالذات هو ما يفصل بين من يبقى مربوطا براتبه طوال حياته ومن يبني إلى جانبه مصادر إضافية تدعمه.
ابدأ بأصل واحد لا بعشرة
الخطأ الشائع أن يحاول الشخص فتح عدة أبواب في نفس الوقت، فيتشتت ولا ينجح في أي واحد منها الأفضل أن تختار أصلا واحدا فقط داخل مجال تعرفه أنت جيدا سواء كان مجالك الطب أو الزراعة أو المناسبات أو أي شيء آخر تعرف تفاصيله أكثر من غيرك فمعرفتك بالمجال هي رأس مالك الحقيقي قبل أي مبلغ مالي وبعد أن يثبت هذا الأصل الأول نجاحه يمكنك التوسع إما بشراء نسخة ثانية من نفس الأصل لزيادة الدخل من نفس المجال أو بالانتقال إلى أصل مكمل يخدم نفس شريحة العملاء وبهذه الطريقة تبني محفظة أصول مترابطة بدل أصول عشوائية متفرقة وهذا يقلل المخاطرة ويسهل الإدارة لأن الخبرة والعلاقات تتراكم في اتجاه واحد بدل أن تتشتت.
أمثلة من واقعنا
● موظف في القطاع الطبي يشتري جهاز تخطيط قلب محمول ويؤجره لعيادة ناشئة لا تقدر على شرائه بالكامل.
● شخص يحب المناسبات يشتري مكينة آيسكريم متنقلة ويؤجرها في مواسم التخرج والأعياد.
● صاحب اهتمام زراعي يشتري مكينة رش لقاح للنخل ويؤجرها لأصحاب المزارع الصغيرة الذين يحتاجونها موسميا فقط ولا يريدون تحمل تكلفتها الكاملة.
● من يعرف عالم الخيول والمزارع يشتري مقطورة نقل حيوانات ويؤجرها لملاك الخيول والمزارع الصغيرة عند الحاجة لنقل موسمي.
● موظف يحب التصوير يشتري كاميرا وإضاءة بسيطة ويؤجرها للمصورين المبتدئين الذين يبدؤون مشوارهم في السوشيال ميديا ولا يقدرون على شراء معداتهم الخاصة من أول يوم.
● من يعرف مجال التنظيف والصيانة يشتري جهاز ضغط كبير ويؤجره لعمال النظافة المستقلين أو أصحاب غسيل السيارات المتنقل الذين لا يقدرون على شراء جهاز خاص بهم.
● شخص يعرف سوق المأكولات يشتري برميل مندي ويؤجره لعربات الطعام الصغيرة أو للعرباوية الذين يبيعون المندي في المناسبات والفعاليات ولا يملكون تكلفة الفرن الكامل.
● من يحب تنظيم الرحلات والفعاليات يشتري خيمة صغيرة بمفروشاتها ويؤجرها للرحلات البرية العائلية أو الجلسات الخارجية في المواسم.
هذا التنوع في الأمثلة يوضح أن الفكرة ليست حكرا على مجال معين بل تصلح لأي شخص يملك معرفة حقيقية بشريحة معينة من الناس واحتياجاتها المتكررة سواء كانت أسرة تحتاج طاولة أطفال لحفلة عيد ميلاد أو شاب يحتاج جهاز ألعاب يؤجر بالساعة أو عامل مستقل يحتاج عربة أدوات لا يملك ثمنها كاملا.
أجّر لعميل واحد أولا
قبل التوسع، اختبر الفكرة مع عميل واحد فقط، هذه الخطوة تعلمك كيف يتصرف السوق وكم مرة يتكرر الطلب وما هي المواسم القوية وما هي المشاكل التي لم تكن تتوقعها ولاحظ أن بعض هذه الأصول موسمية بطبيعتها مثل مقطورة الخيول ومكينة اللقاح لذلك من الأفضل أن تضع خطة لتأجيرها خارج موسمها الأساسي أيضا مثل استخدام المقطورة لنقل بضائع عادية أو استخدام مكينة الرش لأغراض زراعية أخرى غير النخل حتى يستمر الدخل طوال السنة لا في موسم واحد فقط.
أربعة شروط لا يقوم المشروع بدونها
1- الشرط الأول معرفة عميقة بالمجال قبل الشراء فمن لا يعرف عملاءه بالضبط يشتري وهو يخمن لا وهو يخطط.
2- الشرط الثاني وجود طلب متكرر وليس طلبا لمرة واحدة فالأصل الذي يستخدم مرة في السنة يبقى معطلا أغلب الوقت ويصعب تغطية تكلفته.
3- الشرط الثالث خطة تشغيل واضحة قبل الشراء من يتحمل الصيانة ومن يتحمل التلف وكيف يتم التحصيل وهل تحتاج عاملا لتشغيل الأصل أو يكفي تأجيره فقط فبدون هذه الخطة يتحول الأصل من مصدر دخل إلى مصدر مشاكل.
4- الشرط الرابع القراءة المستمرة في المال والأعمال والتعلم من التجربة نفسها فالنجاح في أصل واحد ليس نهاية الطريق بل بدايته وكل تجربة فعلية سواء نجحت أو واجهت عقبات مثل تأخر عميل في الدفع أو تلف غير متوقع في المعدة تعطي دروسا حقيقية أهم من أي كتاب وتبني خبرة صاحبها وتؤهله للانتقال إلى مرحلة أكبر.
لمن هذه الطريقة بالضبط
من المهم أن يكون واضحا أن فكرة الأصل الدوّار موجهة لمن يريد أن يبدأ، لا لمن وصل بالفعل هي طريقة للموظف الذي يملك راتبا ثابتا ويريد خطوة أولى آمنة نحو بناء دخل إضافي وهي طريقة لمن لم يجرب العمل الحر أو الاستثمار من قبل ويحتاج بداية صغيرة لا تهدد استقراره الوظيفي فهي مناسبة تماما لمن هو في أول الطريق يتعلم من خلالها كيف يدير أصلا ويتعامل مع عملاء ويحسب تكلفة وعائدا قبل أن ينتقل لمراحل أكبر.
أما رجل الأعمال الذي يملك بالفعل مشاريع قائمة ورأس مال وفريق عمل فهذه الخطوة لا تناسب حجمه فهو يحتاج أدوات أخرى مثل التوسع في مشاريع كبيرة أو الاستحواذ على شركات أو ضخ استثمارات في قطاعات كاملة فالأصل الدوّار هو نقطة انطلاق للموظف الطموح لا وجهة نهائية لرجل الأعمال المتمرس ومن يفهم هذا الفرق يعرف متى يستخدم هذه الطريقة ومتى يتجاوزها إلى ما هو أكبر.
المشكلة ليست في الراتب
المشكلة الحقيقية ليست في حجم الراتب، بل في انتظار الفرصة الكبيرة بدل البدء بالفرصة الصغيرة المتاحة الآن فالدخل الصغير المتكرر يبني الثروة أكثر بكثير من انتظار مبلغ كبير قد لا يجتمع أبدا تماما كما بدأت شركات عالمية بمرتبة هواء أو فكرة بسيطة في غرفة صغيرة يمكنك أنت أيضا أن تبدأ بأصل واحد يخدم شريحة تفهمها جيدا وتستمر في التعلم والتكرار فبهذه الخطوات البسيطة يتحول موظف براتب عادي إلى صاحب مصادر دخل متعددة دون أن يغادر وظيفته الأساسية.
