من الملاحظ في العقود الأخيرة ارتفاع معدلات الإصابة بمرض الزهايمر في كافة دول العالم. وهذا الارتفاع يأتي كحصيلة لتحولات ديموغرافية وصحية وبيئية معقدة شهدها العالم الحديث. وتتصدر زيادة متوسط عمر الإنسان قائمة الأسباب، حيث يرتبط الزهايمر بعلاقة وثيقة مع التقدم في السن. ومع تطور الطب الحديث أصبح البشر يعيشون لفترات أطول، مما سمح للمرض بالظهور بشكل أكبر وأوضح لدى المعمرين بالذات.
غير أن هذا ليس هو التفسير الوحيد، حيث توجد (أربع فرضيات رئيسية) تحاول تفسير الارتفاع المطرد للمصابين بالزهايمر حول العالم..
- الفرضية الأولى: تتعلق بالديموغرافيا والشيخوخة، وتفترض أن الارتفاع ليس زيادة في انتشار المرض بقدر ما هو نتيجة طبيعية لزيادة الشريحة العمرية الأكبر سناً في المجتمعات الحديثة نتيجة تحسن الرعاية الصحية.
- أما الفرضية الثانية: فهي أن المرض كان موجوداً بالشدة نفسها في الماضي، لكنه كان يُشخَّص خطأً تحت مسميات فضفاضة مثل "خرف الشيخوخة" أو "الهـرم" أو "الخبل".. ولكن بفضل تطور تقنيات التشخيص والتصوير العصبي أصبح الأطباء يتمكنون من تحديد المرض بدقة أكبر، وبالتالي تسجيل نسبة أكبر من الحالات.
- أما الفرضيه الثالثة، فهي أن نمط الحياة المعاصر تسبب في رفع معدل الإصابة بالمرض نتيجة التغيرات الجذرية في العادات الصحيه والسلوك البشري. فالاغذيه غير الصحية، وقلة الحركة، والسكري، وأمراض القلب والأوعية الدموية تؤثر بشكل مباشر على صحة الدماغ وتدفق الدم إليه، وبالتالي قد ينجم عنها الاصابه بمرض الزهايمر بنسبة أكبر.
- وأخيراً، هناك فرضية العوامل البيئية والتلوث، ومفادها أن التعرض المستمر للملوثات الكيميائية والمعادن الثقيلة والإجهاد النفسي المزمن في المدن الحديثة يسهم في تسريع التدهور العصبي وتراكم البروتينات الضارة في الدماغ...
وهذا من حيث تفسير اسباب انتشار المرض، أما من حيث طبيعه المرض ذاته فـهناك (ست حقائق) اعتقد انه من الواجب على الجميع معرفتها وفهمها مسبقا..
اولى هذه الحقائق، هي أن مرض الزهايمر يبدأ بالتشكل داخل الدماغ في صمت وخفاء قبل ظهور أول عرض واضح لـه. فقبل مدة تتراوح بين 15 إلى 20 عاماً تبدأ الترسبات البروتينية السامة بالتراكم في انسجه الدماغ دون أن يشعر المريض بتغيير ويبدو لمن يتعامل او يتحدث معه انسان (طبيعي جدا).
والحقيقة الثانية، فتتمثل في أن هذا المرض لا يتشابه لدى جميع المصابين، بل يمتلك وجوه ومسارات مختلفة تتأثر بنمط حياته السابقه والاحتياطي المعرفي الذي شكله في الماضي.
أما الحقيقة الثالثة (والتي يمكنك التحكم بها وتهمك فعلاً)، فهي أن استمرارية التعلم والقراءة والمواظبة على النشاط الذهني المعقد تعمل كاحتياط عصبي ودرع واقٍ من شانه مقاومه المرض او تاخير حدوثه لفتره اطول.. فــ"الاحتياطي المعرفي" يتيح للدماغ بناء شبكات عصبية بديلة تتصدى لأثر التلف لفترات أطول مقارنة بمن لا يمارسون نشاطاً ذهنياً مستمراً !
وتكمن الحقيقة الرابعة في أن فقدان حاسة الشم بصورة مفاجئة أو تراجعها الحاد قد يكون أحد أوائل المؤشرات المبكرة جداً على بداية التغيرات العصبية المرتبطة بالمرض، قبل تأثر الذاكرة بدرجة ملحوظة (وبالتالي انصحك باستمرار بملاحظة مستوى حاسه الشم لدى والديك).
أما الحقيقة الخامسة فهي أن النوم العميق ليس مجرد فترة راحة للجسد، بل وايضا عملية تنظيف ميكانيكية يقوم بها الدماغ للتخلص من السموم والبروتينات الضارة. وهذا يعني ان الاضطرابات المزمنة في النوم تُعد عاملاً محفزاً لتراكم تلك الترسبات التي قد لا يظهر تاثيرها الا بعد سنوات.
وأخيراً، هناك الحقيقة السادسة التي تؤكد أن الزهايمر ليس مجرد مرض يصيب الذاكرة كما يعتقد البعض، بل يبدأ بتدمير قدرة الدماغ على تسجيل الأحداث اليومية القريبة، في حين تظل ذكريات الطفولة والشباب المبكر حية ومحفورة في ذاكرة المريض حتى المراحل المتأخرة جداً من المرض!
وكما نقول دائماً: "المعرفة" هي خط الدفاع الأول في مواجهة أي مرض.
@fahadalahmdi #فهد_عامر_الأحمدي