مزمار آل داوود

الحمد لله أما بعد:

فهناك حيث كانت عيناه ﷺ تذرفان لقد سمع القرآن يُتلى بصوت أبي موسى رضي الله عنه…

فقال له ﷺ لقد أوتيت مزمارًا من مزامير آل داوود…

لقد سماه مزمارًا!

إن المزمار يعني أنها قراءة لها رنّة وطابع خاص تأنس لسماعها الأذن…

قال الإمام الفيومي في كتابه فتح القريب المجيب تعليقًا على مزمار آل داوود:

"استماع الأصوات المطربة اللذيذة لا يُذمّ بل يُحمد"

قال شيخنا الإمام ابن عثيمين رحمه الله:

"ومعنى أوتي مزماراً من مزامير آل داوود أن داوود عليه الصلاة والسلام آتاه الله الزبور فكان يترنم به، وكان له صوت جميل حتى إنَّ الجبال تسبح معه والطير تسبح معه، تقف صوافّ تستمع إلى ترنمه بالزبور وتتلذذ بقراءته".

وقد جاء في الحديث الصحيح: "ما أذِن الله لشيء كإذنه لنبي يتغنّى بالقرآن يجهر به".

هل تأملتم يا كرام قوله ﷺ: "يتغنّى"!

"أوتيت مزماراً"!

هل يمكننا أن نستوعب أنّ الترنّم بالقرآن العظيم وتجميله بأصواتنا هو من صميم ما شرع الله ﷻ ورسوله ﷺ؟

قال شيخنا الإمام محمد بن صالح العثيمين -رحمه الله-: قال العلماء: وفي هذا دليل على أن الإنسان لو حسَّن صوتَه بالقرآن لأجل أن يتلذذ السامع ويُسرّ به: فإن ذلك لا بأس به، ولا يعدُّ من الرياء، بل هذا مما يدعو إلى الاستماع لكلام الله عز وجل حتى يسر الناس به" شرح رياض الصالحين ( 4 / 662 ).

لكنّ المصيبة اليوم هو سرعة اتّهام أصحاب القرآن بالرياء ومحاولة ثنيهم عن ترتيله وتحبيره!

لست أنسى مرة عندما سئل شيخنا الإمام ابن باز رحمه الله عن "الصدى" الذي يكون في أجهزة صوتيات المساجد ويقرأ فيها القرآن فقال: إذا كان يحسّن التلاوة ولا يسبب اشتباهاً في القراءة لدى المصلي فلا حرج.

لأنه يدرك تماماً أن القرآن العظيم يجمّل بالأصوات ويزيّن بها وهذا من فقهه رحمه الله.

وهكذا فهم رحمه الله من النبي ﷺ ذلك.

تأمّل معي:

في إحدى الليالي يمرّ النبي ﷺ من عند أبي موسى الأشعري وهو يقرأ فيثني على قراءته فيقول أبو موسى: لو كنتَ أعلَمْتَنِي لحَبَّرتُ ذلكَ تحبيرًا!

بل في ليلة من الليالي كان أبو موسى الأشعري يَقرَأُ ونِساءُ النبيِّ ﷺ يستَمِعنَ، فقيل له، قال: لو علِمتُ لحبَّرتُ تحبيرًا ولشوَّقتُ تشويقًا.

أي: لزدت في تحسينه وتجميله ولجعلت من يسمع يشتاق لسماع المزيد من التلاوة لحسن الصوت.

فتحبير القرآن وتزيينه وتجميله هو من تعظيم القرآن ومن الدعوة إلى الله تعالى فيه فإنّ الناس إنّما تتأثر بالقرآن عندما تسمعه من صوت حسن.

ويوم الفتح شاهدٌ لتلاوة النبي ﷺ فقد قرأ ﷺ قراءة رجّع فيها والترجيع هو ترديد الصوت في الحلق بمعنى تجميله وتحسينه.

والحديث هذا يجرّنا للحديث عن القراءة بالألحان بأنواعها فاختلف في ذلك أهل السلف كغيرها من المسائل فكرهها بعضهم وأجازها بعضهم.

ولكن الألحان الممنوعة هي الألحان المشابهة للغناء فتجد من يستمع لها يظنها غناء والأمر المهمّ الآخر فيها هو أنك تراه يخرج القرآن عن مقصده ومعناه فيمدّ ما ليس بمدّ وينقص ما ليس بنقص مراعاة لوزن اللحن وليس معنى الألحان المكروهة أن يرجّع فيها ويترنّم بها!

ومثل ذلك أيضاً التمطيط الذي قد يخرج القرآن عن معناه.

قال الإمام الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: وَلَا بَأْسَ بِالْقِرَاءَةِ بِالْأَلْحَانِ وَتَحْسِينِ الصَّوْتِ بها بِأَيِّ وَجْهٍ ما كان وَأَحَبُّ ما يُقْرَأُ إلَيَّ حَدْرًا وَتَحْزِينًا.

وللأسف فإنّ الفهم المتردد عند البعض وهجومهم على من يترنّم بالقرآن العظيم هو ما جعل الإمام الشافعي رحمه الله تعالى يختلف النقل عنه.

فبين ذلك الإمام النووي رحمه الله بياناً شافيا في شرح مسلم: فقال: قال الشافعي في موضع: أكره القراءة بالألحان. وقال في موضع: لا أكرهها.

قال أصحابنا: ليس له فيها خلاف وإنما هو اختلاف حالين فحيث كرهها أراد إذا مطّط وأخرج الكلام عن موضعه بزيادة أو نقص أو مدّ في غير ممدود وإدغام مالا يجوز إدغامه ونحو ذلك وحيث أباحه إذا لم يكن فيها تغيّر لموضوع الكلام. اهـ.

وكذلك كل أحد من السلف بيّن وجه الكراهة من هذه الألحان وأنها الألحان التي تجعل الشغل الشاغل هو اللحن دون تدبر المعاني لهذا القرآن العظيم ومنه التنطّع في تحقيق التجويد بصورة مزعجة والعكس صحيح فتراه يمد ما ليس بمد ويقصر ما ليس بقصر ويدغم ما لا يدغم.

قال الرافعي عن التطريب في كتاب إعجاز القرآن: التطريب هو أن يترنّم بالقرآن ويتنغّم به فيمدّ في غير مواضع ويتنغّم به فيمدّ في غير مواضع المدّ ويزيد في المدّ إن أصاب موضعه.

ولذلك لديهم نهي عن الترعيد والترقيص على سبيل المثال، فالترعيد كأنه يرعد من البرد والألم، والترقيص: أن يقصد السكوت على الساكن ثم ينقر من الحركة فكأنه يهرول.

وربما يحصل هذا في بعض مجالس القرآن التي يتفاعل أصحابها مع القارئ في اهتمامهم بالصوت دون المعاني…

وهذا ما نهى عنه السلف أن يتخذ القرآن لعبا ولهواً وأما تزيينه وتحبيره والسعي لذلك فمطلب شرعي.

ومن الأمور المُحدثة كغيرها مع تجدد العلوم علم المقامات وهي مقامات صوتية طبيعية موجودة عند كل أحد فهي في الأصل مأخوذة من صوت الإنسان وكان أيضاً منها ما هو موجود عند السلف الصالح لكنها تطوّرت في العصر الحديث فاستعملت في مجالات مباحة وأخرى محرّمة.

ومثل ما أنّ هناك مقامات تسمى "الصبا،السيكا،العجم "

فكذلك عند الأوائل

(التحزين،التخويف،التشويق )

والمزمار الذي حدث عنه النبي ﷺ هي الحبال الصوتية التي هي أجمل وترٍ يترنم به خلقه، ومزامير آل داوود ليس المراد بها الموسيقى أو آلات عزف معيّنة بل المراد بها الصوت الحسن من هذه الحناجر فشبهها بالمزامير.

قال العراقي في "طرح التثريب" (3/105): "والمراد بالمزمار هنا: الصوت الحسن، وأصله الآلة التي يزمر بها، شبّه حسن صوته وحلاوة نغمته بصوت المزمار.. ".

ولذلك فالمقامات هي مبنية على نوع معيّن من هذه المزامير التي خلقها الله ﷻ فمثلا السلف يقرؤون كثيراً بـ"التحزين" ويقابلها في علم المقامات "الصبا".

ولا يلزم من أحد أن يكون متعلّمًا للمقامات أو غير متعلّم حتى يقرأ بها فكلّ واحد منّا لا بد وأن يكون قارئاً بها شاء أم أبى ولكن أهل هذا الفنّ يميّزون أصحاب هذه المقامات.

وتعلّم المقامات المراد منه هو حسن التعامل مع هذه المقامات ومحاولة تحسين صوته بها حتى يحبّر قراءته ويشوّقها للمستمع وأزعمُ أنّ تعلّمها من دون استعمال العزف هو تعظيم للقرآن واهتمام به كحالنا مع تعلّم التجويد فإنّه علمٌ حادث جديد والناس فيه بين متنطّع ومعتدل فكذلك في شأن المقامات.

فمن تعلّمها وتنطّع بها وأخذ يتشدّق بها في القرآن خاصّة ويجعل القرآن مثل الغناء فقد أخطأ وأبعد عن الحقّ، ومن تعلّمها ليجمّل صوته بالقرآن ويحسّنه ويؤثر في السامع فهذا فيه خيرٌ عظيم.

وإني لأدعو معالي شيخنا عبداللطيف آل الشيخ وزير الشؤون الإسلامية وأيضا أدعو معالي وزير الثقافة لأن يخطوا خطوة طيبة في وضع معهد يعتني بالقرآن أداءً وتلاوة فيما يتعلّق بالقراءات أو التجويد أو المقامات.

ولست أنسى مرة أني استيقظت صباحا لأرى معالي وزير الشؤون الإسلامية الشيخ الدكتور عبداللطيف آل الشيخ قد غرّد في حسابه في تويتر بنقل تلاوة لصاحب الحنجرة الذهبية عبدالباسط عبدالصمد رحمه الله وهو يقرأ قوله تعالى: {إن المسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات ….} بصوت جميلٍ مؤثّر.

وهذا يدلّ على أنّ معاليه يتوق لحسن الصوت وقد أثّرت فيه هذه الآيات بصوت الشيخ كما أثّرت فينا.

نسأل الله ﷻ أن يزيد هذه الدولة العظيمة عزاً بكتاب الله ﷻ وسنة رسوله ﷺ وفي خدمتهما كما كانت وتكون وستكون بإذن الله ﷻ.

والله الموفّق

قد يعجبك أيضاً

No stories found.
صحيفة عاجل
ajel.sa