صحيفة عاجل الإلكترونية
الرئيسيةمقالات الرأي
مقال رأي

ما وراء تحذير صندوق النقد.. لماذا أصبحت الديون أكثر خطورة على النمو؟

المستشار فرحان حسنالمستشار فرحان حسنكاتب رأي · الأحد 6 سبتمبر 2026

حذرت مديرة صندوق النقد الدولي كريستالينا غورغييفا من أن تضخم الديون العامة واستمرار الضغوط التضخمية لا يزالان يمثلان خطرا على الاقتصاد العالمي مؤكدة أن المرونة التي أظهرها الاقتصاد خلال الفترة الأخيرة لا تعني اختفاء المخاطر أو إمكانية التهاون في مواجهتها.

ويأتي هذا التحذير في وقت يقترب فيه الدين العام العالمي من 100 %من الناتج العالمي بالتزامن مع ارتفاع تكاليف التمويل واستمرار المخاطر الجيوسياسية وهو ما يعني أن الاقتصاد العالمي أصبح يتحرك بهوامش مالية أضيق وقدرة أقل على مواجهة الصدمات المستقبلية

أبرز خمسة ضغوط وتحديات متزامنة هي :

ارتفاع مستويات الدين العام:

الوصول إلى نسب قياسية يقلل من قدرة الحكومات على التحرك عند وقوع أزمات جديدة.

استمرار الضغوط التضخمية:

يدفع البنوك المركزية لإبقاء أسعار الفائدة مرتفعة مما يزيد من تكاليف الاقتراض الحكومي.

ارتفاع تكلفة خدمة الدين:

الطر الحقيقي لا يكمن في حجم الدين الإجمالي فحسب، بل عندما تنمو خدمة الدين بمعدل أسرع من النمو الاقتصادي والإيرادات، لتبتلع حصة أكبر من الموازنة على حساب الإنفاق التنموي.

تقلص الهوامش المالية المتاحة لمواجهة الأزمات:

يعني أن الحكومات تصبح لديها موارد وقدرة أقل على زيادة الإنفاق أو الاقتراض عند حدوث أزمة جديدة بسبب ارتفاع الدين وتكاليف خدمته

انتقال أثر المخاطر الجيوسياسية:

تتحول التوترات إلى ضغوط اقتصادية متسلسلة تبدأ من أسعار الطاقة وسلاسل الإمداد لترفع التضخم ثم الفائدة وتصل في النهاية إلى رفع تكلفة الدين.

ولا يمكن التعامل مع هذه التحديات بصورة منفصلة فهناك سلسلة اقتصادية مترابطة تبدأ بارتفاع أسعار الطاقة والسلع ثم ارتفاع تكاليف النقل والإنتاج وانتقالها إلى الأسعار والتضخم وهو ما يدفع البنوك المركزية إلى إبقاء أسعار الفائدة مرتفعة لفترة أطول.

واستمرار الفائدة المرتفعة يرفع تكلفة الاقتراض الحكومي وإعادة تمويل الديون ويستهلك جزءا أكبر من الموارد العامة وبالتالي تتقلص المساحة المتاحة للاستثمار والخدمات والتنمية.

لكن ارتفاع نسبة الدين لا يعني بالضرورة دخول الاقتصاد في أزمة فلا توجد نسبة واحدة يمكن تطبيقها على جميع الاقتصادات بل يجب النظر إلى مجموعة من المؤشرات أهمها:

معدل النمو الاقتصادي.

حجم واستدامة الإيرادات.

تكلفة خدمة الدين.

آجال الاستحقاق وإعادة التمويل.

قدرة الاقتصاد على جذب الاستثمار وتوليد الإيرادات.

ومن هنا فإن مواجهة المخاطر لا تعني الدخول في تقشف حاد يضعف النمو ... بل بناء مناعة اقتصادية تحقق التوازن بين استدامة الدين واستدامة النمو.

وتقوم هذه المناعة على عدة مرتكزات :

السيطرة على التضخم واستقرار الأسعار.

وضع خطط موثوقة لضبط الدين والعجز.

رفع كفاءة إدارة الدين وإطالة آجال الاستحقاق.

حماية الإنفاق المنتج والاستثمار.

توجيه الدعم إلى الفئات الأكثر احتياجا.

رفع الإنتاجية وتمكين القطاع الخاص.

تنويع مصادر الدخل وسلاسل الإمداد وطرق التصدير.

المملكة وقدرة عملية على مواجهة التحديات

في هذا المشهد تقدم المملكة نموذجا مهما في بناء الهوامش الاقتصادية التي تساعد على التعامل مع الصدمات فقد أكد صندوق النقد الدولي في تقييمه لعام 2026 أن الاقتصاد السعودي أظهر مرونة مدعوما بأسس اقتصادية قوية وهوامش مالية وخارجية وبنية تحتية متنوعة للطاقة والخدمات اللوجستية.

وتظهر القدرة العملية للمملكة كذلك في تنويع البنية التحتية وطرق التصدير والخدمات اللوجستية بما يعزز مرونة الاقتصاد عند اضطراب حركة التجارة والطاقة.

وهنا تبرز رسالة مهمة وهي أن التنويع المطلوب لم يعد يقتصر على تنويع مصادر الدخل بل يمتد إلى طرق التصدير وسلاسل الإمداد والبنية اللوجستية مع المحافظة على الاحتياطيات ورفع كفاءة الإنفاق واستمرار الإصلاحات الاقتصادية وتمكين القطاع الخاص

وفي المقابل لا تخلو الصورة العالمية من عوامل إيجابية فالاستثمارات المتسارعة في الذكاء الاصطناعي والطاقة والبنية التحتية الرقمية يمكن أن ترفع الإنتاجية وتفتح مسارات جديدة للنمو إذا أحسن توظيفها.

وفي النهاية فإن تحذير صندوق النقد الدولي ليس نبوءة بأزمة حتمية بقدر ما هو جرس إنذار يدعو إلى التحرك المبكر وإعادة بناء هوامش الأمان المالي.

فالخطر الحقيقي ليس في حجم الدين وحده بل في قدرته على استهلاك المستقبل ….

والدين الذي يصنع نموا وإيرادات مستقبلية يمكن إدارته أما الدين الذي تنمو تكاليف خدمته أسرع من الاقتصاد فيتحول تدريجيا من أداة للتمويل إلى قيد على النمو ….

شارك المقال
Xf
المستشار فرحان حسن
المستشار فرحان حسن
كل مقالاته

مقالات أخرى