صحيفة عاجل الإلكترونية
الرئيسيةمقالات الرأي
مقال رأي

هل يولد الناجح أم يصنع؟

د. عبدالله القفاريد. عبدالله القفاريكاتب رأي · الثلاثاء 4 أغسطس 2026

يتردد سؤال قديم متجدد كلما ظهر عالم أو قائد أو صاحب إنجاز استثنائي، هل يولد هذا الإنسان بصفاته الاستثنائية أم تصنعه الحياة من حوله، وهذا المقال يحاول الإجابة على هذا السؤال من خلال ما تقوله العلوم الحديثة في الموهبة والوراثة، وما يؤكده الدين والأدب العربي، وما تحكيه قصة تاريخية معروفة، ليخلص في النهاية إلى أن الجواب ليس فطرة وحدها ولا تربية وحدها بل تفاعل بينهما، وهذا التفاعل هو ما تسعى الصناديق العائلية إلى تهيئته لأبنائها.

نظريات علمية في تفسير الموهبة

لم تتوقف الجهود العلمية عند وصف الموهبة بل قدمت نظريات تفسر كيف تنشأ وكيف تتحول من استعداد فطري إلى إنجاز فعلي، فنموذج الحلقات الثلاث الذي وضعه الباحث جوزيف رينزولي يرى أن السلوك الموهوب ينتج عن تفاعل ثلاث سمات معا، وهي القدرة العقلية فوق المتوسطة والإبداع والالتزام بالمهمة، وهذا يعني أن امتلاك القدرة وحدها لا يكفي بل لا بد من بيئة تغذي الدافعية والمثابرة حتى تتحول القدرة إلى إنجاز حقيقي، أما عالم النفس هوارد جاردنر فقدم نظرية الذكاءات المتعددة التي ترفض فكرة الذكاء الواحد وتؤكد أن كل فرد يمتلك أنواعا مستقلة من الذكاء مثل الذكاء اللغوي والمنطقي والحركي والاجتماعي وغيرها، وأن كل نوع منها يحتاج إلى بيئة مختلفة لصقله، وفي السياق نفسه ميّز الباحث فرانسوا جانييه بين الموهبة كاستعداد فطري كامن والتفوق كأداء فعلي متطور، واعتبر أن الانتقال من الأول إلى الثاني يحتاج إلى عوامل بيئية داعمة مثل الأسرة والبرامج التدريبية والفرص المتاحة، وهذه النظريات مجتمعة تدعم فكرة أن دور الصندوق العائلي في توفير برامج نوعية ليس ترفا بل هو أحد العوامل البيئية التي تتحدث عنها هذه النظريات نفسها في تحويل الاستعداد الفطري إلى تفوق ملموس.

هل يولد الناجح أم يصنع

تشير الدراسات الحديثة في علم النفس والوراثة إلى أن الإنسان الناجح، سواء كان بطلا أو عالما أو قائدا، يولد باستعدادات فطرية ويصنع بالتربية والخبرة والمواقف، فالوراثة قد تمنح الإنسان ميولا للشجاعة والذكاء والإيثار وضبط النفس، لكن هذه الاستعدادات لا تتحول إلى إنجاز حقيقي إلا حين تصقلها التربية وتكشفها المواقف، وهذا ما تؤكده أبحاث جيروم كاغان في المزاج الفطري وفيليب زيمباردو في مشروع الخيال البطولي، حيث خلصا إلى أن التميز ثمرة تفاعل الفطرة مع البيئة والموقف وليس نتاج أحدهما وحده.

وفي الإسلام عظّم الله شأن الإنسان الفاعل المؤثر، فقال تعالى ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعا، وقال النبي صلى الله عليه وسلم المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف وفي كل خير، وهذا يشير إلى أهمية التربية وإعداد النفس على القوة والعلم والقيادة استعدادا لمثل هذه الأدوار، فالإسلام لا يجعل النجاح مجرد صفة فطرية بل يربطه بالإيمان والعمل واتخاذ الموقف الصحيح.

وقد عبر الأدب العربي عن هذا المعنى بأبلغ العبارات فقالوا عند الشدائد تعرف الرجال، وقال المتنبي على قدر أهل العزم تأتي العزائم وتأتي على قدر الكرام المكارم، وقال أيضا وإذا كانت النفوس كبارا تعبت في مرادها الأجسام.

ومن أبرز الأمثلة على أثر التربية في صناعة القادة قصة هند بنت عتبة أم معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنهما، فقد نظر رجل إلى معاوية وهو غلام صغير ورأى فيه بوادر سيادة فقال إني أظن هذا الغلام سيسود قومه، فقالت هند ثكلته إن كان لا يسود إلا قومه، كما ورد في عيون الأخبار لابن قتيبة، وفي تاريخ دمشق لابن عساكر أن معاوية وهو غلام كان يمشي مع أمه هند فعثر، فقالت له قم لا رفعك الله، وكان أعرابي ينظر فقال لها لم تقولين له فوالله إني لأظنه سيسود قومه، فقالت لا رفعه الله إن لم يسد إلا قومه، وفي عهد عمر بن الخطاب رضي الله عنه كان معاوية مع الجنود الذين أرسلهم عمر إلى الشام لقتال الروم، وروي أنه ذُكر دهاء كسرى وقيصر وحسن تدبيرهما أمام عمر بن الخطاب فقال عمر أتذكرون كسرى وقيصر عند معاوية بالشام، وفي عهد عثمان بن عفان رضي الله عنه أذن عثمان لمعاوية بركوب البحر وغزو قبرص، وكان هذا أول جيش يركب البحر في الإسلام تحقيقا لقول النبي صلى الله عليه وسلم أول جيش من أمتي يركبون البحر قد وجبت لهم الجنة كما رواه البخاري، وكان الجيش تحت إمرة معاوية، لقد ساد معاوية رضي الله عنه بهذه التربية العرب والعجم، وهذه القصة تظل مثالا يضرب في أثر التربية وغرس الطموح في الأبناء، وأن للوالدين وخاصة الأم دورا عظيما في صناعة شخصية القائد منذ طفولته.

وخلاصة القول إن البطل والعالم والقائد والناجح لا يولد كاملا ولا تصنع مكانته من فراغ، بل يولد باستعداد فطري وتصنع مكانته بالتربية والقدوة وتثبتها المواقف وتخلدها الأعمال، فالنجاح استعداد فطري تصقله التربية وتكشفه المواقف، وكما أن التربية بلا استعداد فطري لا تصنع تفوقا، فإن الفطرة بلا تربية ورعاية قد تذبل أو تضيع في زحمة الحياة قبل أن تُكتشف، وهذا ما يجعل المسؤولية مزدوجة، فلا يكفي أن يكون الابن موهوبا، بل لا بد ممن يكتشف هذه الموهبة ويرعاها قبل أن يبتلعها الإهمال.

ملخص لا بد منه

ومن الجميل ألا يكون ما تقدمه الصناديق لأسرها هو البرامج الرخيصة فقط، فكل نوع من البرامج فيه خير بحسب ما يناسب الأسرة واحتياجها، وقد تنوعت البرامج التي يمكن أن يصل بها الصندوق إلى أسره، بين مجانية ومخفضة التكلفة وأخرى موجهة للفئة القادرة، لكن الأهم من هذا التنوع هو ألا تغيب عنه البرامج النوعية التي تسعى إلى صناعة القادة ورواد الأعمال والناجحين، بغض النظر عن ارتفاع تكلفتها، فحتى إن عجز الصندوق عن دعمها ماليا، يبقى أقل ما يمكن تقديمه هو نشرها للأسرة والتعريف بها، وحث القادرين ماليا على المشاركة فيها، لأن إيصال المعلومة وحده قد يفتح لأسرة كانت تبحث عن هذا البرنامج تحديدا بابا لم تكن تعرف أنه موجود.

نظرة شاملة لا تستهدف فئة دون أخرى

قد يُفهم أحيانا أن الصناديق العائلية الخيرية مقصورة على استهداف الفئات الضعيفة والمحتاجين والشباب العاطلين عن العمل، وهذا الفهم لا شك أنه أساس مهم قامت عليه هذه الصناديق، لكن ينبغي أن تكون لدينا نظرة شاملة واستراتيجية تتجاوز هذا الفهم الضيق، فالنبي صلى الله عليه وسلم في بناء المجتمع المدني كان يركز على الفئة الضعيفة مثل سلمان الفارسي وأبي ذر الغفاري، كما كان يركز على الشباب من أبناء الأسر الثرية من الصحابة مثل عثمان بن عفان وعمرو بن العاص وعبد الرحمن بن عوف، فصنع من هاتين الفئتين معا بناء مجتمعيا متماسكا، وهذا هو الهدف الذي ينبغي أن تسعى إليه الصناديق العائلية، نظرة شاملة تخدم جميع فئات الأسرة دون استثناء، وإلا كان هناك نقص واضح في خدمة الجميع، خاصة أن الفئة الغنية غالبا هي من تدعم مثل هذه الصناديق ماليا، فإذا استُبعد أبناؤها من برامجه فهذا يعني خسارة فئة مهمة لهذا العمل مستقبلا.

فالواجب أن تكون لدينا هذه النظرة الشاملة من باب التكافل ووحدة الجسد الواحد دون تفريق بين فئة وأخرى، فلا نطالب أن تكون كل البرامج رخيصة تستهدف المحتاجين والضعفاء فقط، بل نقدم برامج لجميع الفئات، فمن يريد أن يدفع ومستعد لذلك لا يصح أن نحرمه من برامج الصندوق، لأن أبناء الأثرياء اليوم هم داعمو الصندوق في المستقبل، وهذا يحتاج إلى حسن نظر واستشراف من القائمين على مثل هذه البرامج، والحمد لله أن كثيرا من القائمين على الصناديق لديهم بالفعل هذه النظرة الشاملة، لكن وجب التأكيد عليها حتى تبقى حاضرة في كل قرار وكل برنامج.

وأخيرا

فما تصنعه الفطرة يحتاج من يكتشفه، وما تصقله التربية يحتاج من يرعاه، وهذا بالضبط ما يسعى الصندوق العائلي إلى فعله حين يستثمر مبكرا في أبنائه الموهوبين، في البحث عنهم واكتشافهم مبكرا ومتابعتهم باستمرار ودعمهم في برامج نوعية مركزة وتشجيعهم على الالتحاق بها، فكل أسرة تحمل بين أبنائها مشروع إنسان كبير، وما على القائمين على الصندوق إلا أن يروه قبل أن يراه العالم.

شارك المقال
Xf
د. عبدالله القفاري
د. عبدالله القفاري
كل مقالاته

مقالات أخرى