في زمن تتسابق فيه الأرقام على الشاشات وتقاس النجاحات بأصفار الحسابات، يبقى السؤال معلقاً: هل يشتري المال السعادة حقاً؟
الجواب الذي توصل إليه العلماء والحكماء والناس العاديون متفق بشكل لافت، المال يفتح الأبواب لكنه لا يصنع ما خلفها، يشتري لك البيت لكنه لا يشتري السكينة، ويشتري لك السرير الوثير لكنه لا يشتري النوم الهنيء.
من واقع الحياة
نشرت صحيفة الغارديان قصة رجل أعمال بريطاني باع شركته بأربعين مليون جنيه، وبعد عامين قال: امتلكت كل شيء إلا النوم الهادئ، ظننت أن المال سيحل مشاكلي فإذا به يخلق مشاكل لم أتخيلها.
في المقابل مزارع بسيط في بوتان، الدولة التي تقيس السعادة القومية بدل الناتج المحلي، قال: لدي ما يكفي وعائلتي حولي والسماء فوقي، ماذا أريد أكثر؟
الفرق واضح، من يملك كل شيء ولا يملك الراحة، ومن لا يملك شيئاً ويملك كل الراحة.
الفخ الذي يقع فيه الأغلبية
حين يرتفع رصيدك أو تشتري سيارة جديدة أو تنتقل لبيت أوسع تشعر بنشوة، هذه النشوة حقيقية لكنها ليست سعادة، إنها فرح مؤقت يتبخر مع أول تعود أو مقارنة مع من يملك أكثر.
السعادة شيء والفرح بالمال شيء مختلف تماماً، الخلط بينهما هو أصل المشكلة.
السعادة هي الطمأنينة العميقة التي لا تهتز مع صعود الأسواق وهبوطها، ولا تتأثر بما يملكه الجار.
المال وسيلة كغيره
المال مثل السيارة والمنزل والملبس، وسيلة لتوفير حياة كريمة لا أكثر، لكنه يتحول لمصدر شقاء حين يصبح هدفاً بذاته أو حين تلهث وراءه دون غاية تستحق.
كثيرون اليوم حولوا المال لأرقام في البنوك والمحافظ، أرقام لا أثر لها على أنفسهم ولا على من حولهم، يجمعون ولا ينتفعون ويكدسون ولا يسعدون.
المال الذي لا يحدث أثراً طيباً في حياتك وحياة الآخرين ليس ثروة، إنما عبء تحمله دون أن تدري.
بين هدف سامٍ وجمع بلا معنى
حين أرى شخصاً يسعى للمليار ولديه هدف لبناء وطن أو تقديم إنجاز علمي يخدم البشرية، أستطيع أن أفهم سلوكه حتى لو ضحى بكثير من وقته وراحته.
وأجمل مثال على ذلك الشيخ سليمان الراجحي، حين ضرب أروع صور التخلي عن المال ووضعه في مكانه الصحيح، أدرك أن هذا المال وديعة من الله يجب أن تصرف في مكانها الصحيح دون بخل أو شح، التخلي في هذه اللحظة لا يستطيعه إلا كبار النفوس، أولئك الذين عرفوا منذ البداية أن جمع المال من أجل البناء والعطاء لا من أجل صناعة المخازن وتكديس الحسابات البنكية.
لكن ما لا أفهمه رجل يلهث ويجمع الملايين في حسابه ومشاريعه دون هدف من هذا التعب إلا رصيد يتفاخر به، لا أثر له على أهله ولا مجتمعه ولا وطنه، هذا لا يملك المال بل المال يملكه، يحرسه حتى يموت دون وعي بما يدور حوله.
وربما أكل حقوق الآخرين ممن لا يملكون هذه الأموال دون وجه حق، وربما وقف يكاسر شاباً يبيع بطيخه على قارعة الطريق دون أن يفرق بين شراء سلعة من هذا الشاب البسيط وبين التفاوض على صفقة تجارية بالملايين.
هذا لم يفهم المال ولم يفهم الحياة.
للسعادة ثمن
إيلون ماسك الذي تقترب ثروته من 850 مليار دولار ويوشك أن يصبح أول تريليونير في التاريخ، يقول: من قال إن المال لا يشتري السعادة كان محقاً.
اعتراف من رجل وصل إلى قمة الثراء.
لكنني أضيف: حتى لو افترضنا أن المال يجلب شيئاً من السعادة، تبقى الحقيقة أن للسعادة ثمن يجب أن يدفع، وثمنها ليس أرقاماً في الحسابات بل قناعة ورضا وعلاقات طيبة وقرب من الله وإنفاق في سبيله.
من دفع هذا الثمن وجد السعادة، ومن ظنها في المال وحده طال بحثه ولم يجدها.
وهم السعادة على الشاشات
وسائل التواصل الاجتماعي تعرض علينا كل يوم صوراً لحياة مثالية، سيارات فارهة وسفر حول العالم وقصور وملابس وساعات ثمينة، توهمنا أن السعادة في امتلاك هذه الأشياء.
لكن الحقيقة أن معظم ما نراه مجرد واجهة مصقولة لحياة قد تكون مليئة بالقلق والفراغ، كم من مشهور يبتسم أمام الكاميرا ويبكي خلفها؟ وكم من صورة مثالية تخفي خلفها ديوناً وضغوطاً وعلاقات محطمة؟
لا تقارن حياتك الحقيقية بحياة مفلترة على شاشة.
حين تخسر ما لا يُشترى
كثيرون أهلكوا صحتهم في جمع المال، سهر متواصل وضغوط لا تنتهي ووجبات سريعة وإهمال للجسد، ثم حين جمعوا ما أرادوا أنفقوا كل ما جمعوه لاستعادة صحتهم ولم يستطيعوا.
ما قيمة رصيد بالملايين إذا كنت على سرير المرض لا تستطيع أن تستمتع بشيء؟
صحتك رأس مالك الحقيقي، فلا تبعها بثمن بخس.
ماذا يقول العلم؟
حين تحصل على مال أو تشتري شيئاً جديداً يفرز دماغك الدوبامين هرمون المكافأة الذي يمنحك النشوة، لكن الدماغ يتكيف سريعاً فيحتاج جرعة أكبر في المرة القادمة، هذا ما يسميه العلماء التكيف الهيدوني، تظل تجري دون أن تتقدم.
أما السيروتونين هرمون السعادة المستدامة فيفرز من مصادر مختلفة، العلاقات العميقة والشعور بالإنجاز والعطاء والامتنان والإحساس بمعنى الحياة.
المال يشتري الدوبامين المؤقت، لكنه عاجز عن شراء السيروتونين الدائم.
وللاقتصاد كلمة
دراسة كانيمان وديتون من جامعة برينستون وجدت أن السعادة تتوقف عن الزيادة بعد دخل سنوي حوالي 75000 دولار، بعد هذا الرقم المال يزيد لكن السعادة تبقى ثابتة.
مفارقة إيسترلين تقول: الدول حين تغتني لا يزداد مستوى سعادة شعوبها بالضرورة، اليابان تضاعف دخلها عدة مرات بين 1960 و1990 لكن مستوى السعادة بقي ثابتاً.
مؤشر السعادة العالمي يظهر أن دولاً مثل كوستاريكا وبوتان تتصدر على دول أغنى بعشرات المرات، السر هو الروابط الاجتماعية والتوازن والانتماء.
ثمن الثروة الخفي
للثراء الفاحش ثمن نفسي لا يتوقعه كثيرون.
دراسات أظهرت أن الأثرياء أكثر عرضة للقلق المزمن والاكتئاب والإدمان واضطرابات النوم، دراسة من جامعة كاليفورنيا وجدت أنهم يميلون للشعور بالوحدة أكثر، يعيشون في شك دائم: هل يحبونني لذاتي أم لمالي؟
الضغط النفسي المرتبط بالحفاظ على الثروة يتحول لسجن ذهبي، تملك كل شيء لكنك لا تستمتع بأي شيء.
علم النفس يؤكد
السعادة الحقيقية ترتبط بثلاثة أمور.
القناعة وهي الرضا بما لديك دون مقارنة مستمرة مع الآخرين.
المعنى وهو الشعور بأن لحياتك هدفاً وقيمة.
العلاقات وهي روابط إنسانية صحية تمنحك الدعم والانتماء.
المال وحده لا يملأ الفراغ النفسي، والمتعة المؤقتة التي يمنحها الرصيد البنكي تختلف عن الطمأنينة الداخلية التي تدوم.
العلاقات أولاً
السعادة طويلة المدى تبنى على العلاقات لا الممتلكات، المال قد يسهل السفر مع العائلة أو إقامة الولائم للأصدقاء، لكنه لا يخلق الحب ولا الانتماء.
دراسة هارفارد التي امتدت 85 عاماً خلصت لنتيجة واحدة، العلاقات الجيدة هي أقوى مؤشر على السعادة والصحة، وليس المال ولا الشهرة ولا النجاح المهني.
بين ثقافة وثقافة
الثقافة الغربية الاستهلاكية تربط النجاح بالثروة، الإعلانات تقول: اشترِ لتكون سعيداً.
ثقافات أخرى أدركت الحقيقة مبكراً، في الدنمارك الهيغا وهي السعادة في اللحظات البسيطة مع الأحبة، في اليابان إيكيغاي وهي السعادة في إيجاد هدف يستحق الاستيقاظ من أجله.
فنلندا تتصدر مؤشر السعادة العالمي للعام السادس، ليس لأنها الأغنى بل لأنها تجمع بين الأمان الاجتماعي والثقة والتوازن.
المال في ميزان الدين
النظرة الإسلامية تضع المال في موضعه الصحيح، وسيلة وابتلاء في آن واحد.
قال النبي صلى الله عليه وسلم: (ليس الغنى عن كثرة العرض ولكن الغنى غنى النفس) رواه البخاري ومسلم.
وقال أيضاً صلى الله عليه وسلم: (نعم المال الصالح للرجل الصالح) رواه أحمد.
والقرآن يرسم لنا التوازن الصحيح، قال تعالى: (ولا تنس نصيبك من الدنيا وأحسن كما أحسن الله إليك) فلا رهبانية في الإسلام، لكن مع التذكير الدائم قال تعالى: (المال والبنون زينة الحياة الدنيا والباقيات الصالحات خير عند ربك ثواباً وخير أملاً).
المال زينة، لكن الباقيات الصالحات هي الأصل.
المال الذي ينفق على الأهل والأسرة والوالدين والأقارب وفي الصدقة وكفالة المحتاج وإدخال السرور على الآخرين يتحول لطريق للسعادة.
أما المال الذي يصبح غاية بذاته فهو باب للشقاء، لأنك تصبح خادماً له بدلاً من أن يخدمك، وحارساً عليه بدلاً من أن يحرسك، وتخاف عليه أكثر من خوفك على نفسك وأولادك.
العبادة والعطاء طريق السعادة
من أعظم أسباب السعادة التي يغفل عنها كثيرون العبادة الصادقة والعطاء والامتنان.
حين تقف بين يدي الله بقلب حاضر، حين تسجد وجبينك على الأرض وقلبك معلق بالسماء، حين تجلس في المسجد بعد الصلاة تذكر الله تشعر بسكينة لا يعرفها من لم يذقها، اخلُ بنفسك وبربك أحياناً ستجد لذة لا تشعر بها إلا في هذا المكان.
وحين تعطي من مالك ووقتك وتشكر الله على نعمه صغيرها وكبيرها تنفتح لك أبواب السعادة من حيث لا تحتسب.
هذه اللذة الروحية لا تُشترى بمال الدنيا كلها.
حكمة الفلاسفة
منذ أرسطو وحتى اليوم يتفق الفلاسفة على أن السعادة حالة داخلية قبل أن تكون ظرفاً خارجياً.
أرسطو ربطها بتحقيق الإنسان لأفضل ما فيه من فضائل لا تراكم الممتلكات، الرواقيون رأوا أن السعادة في التحرر من سيطرة الرغبات المادية.
الخلاصة: وعيك بنفسك أهم من رصيدك في البنك.
صوت الناس
حين تسأل الناس عن أسعد لحظاتهم نادراً ما يذكرون صفقة مالية أو زيادة في الراتب، يتحدثون عن لمة عائلية وضحكة مع صديق قديم ولحظة إنجاز وشعور بالامتنان في صباح عادي.
الفرح بالمال يأتي ويذهب، لكن السعادة الحقيقية تسكن في القلب المطمئن.
رسالة للآباء والأمهات
من أخطر ما نفعله أن نربي أبناءنا على ربط السعادة بالمال.
حين نكافئ الطفل دائماً بالمال، حين نقيس نجاحه بما يملك لا بما يفعل، حين نقارنه بالآخرين بناءً على الممتلكات نزرع فيه بذور التعاسة.
الأطفال الذين يربون على الامتنان والقناعة يكبرون أقوى نفسياً، غرس القيم أعظم ميراث نتركه لهم.
اسعَ للمال لكن افهم الفرق
حين نقول إن السعادة لا تصنع بالمال لا ندعو لترك السعي وراءه، الإنسان مفطور على حب المال والقرآن أخبرنا قال تعالى: (وتحبون المال حباً جماً).
لكن لا تظن أنك بسعيك للمال تسعى للسعادة، المال وسيلة لا غاية يوفر الأساسيات لكنه لا يصنع السعادة، زيادته لن تزيد سعادتك ونقصانه لن ينقصها بالضرورة.
كم من ثري في ناطحة سحاب يعاني القلق ولا يفارق العيادات النفسية؟ وكم من فقير في مزرعة بأدغال أفريقيا يضحك مع أطفاله ويشعر بسعادة حقيقية؟
السعادة شيء، والمال شيء آخر.
القناعة مفتاح والرضا سر السعادة
القناعة ليست ضعفاً ولا استسلاماً بل مهارة الاكتفاء بما تملك دون أن تمنعك من السعي للأفضل، السعادة ليست في كثرة الأشياء بل في تقدير النعم، نحن لا نرى الحياة كما هي بل كما نشعر بها في قلوبنا.
وصدق الشاعر:
ولست أرى السعادة جمع مال … ولكن التقي هو السعيد
التقرب إلى الله سبب لمحبته ومن أحبه الله هيأ له أسباب السعادة، لو عرفت الله وعبدته في كوخ وجدت السعادة، ولو سكنت أرقى القصور بلا إيمان فهي التعاسة المحققة.
النفس تجزع أن تكون فقيرة … والفقر خير من غنىً يطغيها
وغنى النفوس هو الكفاف فإن أبت … فجميع ما في الأرض لا يكفيها
خطوات عملية
مارس الامتنان يومياً واذكر ثلاث نعم تشكر الله عليها كل صباح.
استثمر في علاقاتك وخصص وقتاً حقيقياً للعائلة والأصدقاء.
أنفق على التجارب لا الأشياء فالسفر والذكريات تمنح سعادة أطول من الممتلكات.
أعطِ وتصدق فالعطاء يفرز هرمونات السعادة.
ابحث عن المعنى: ما الذي يجعل حياتك ذات قيمة؟
قارن نفسك بنفسك فقط وتوقف عن مقارنة نفسك بالآخرين.
اخلُ بنفسك وبربك واسجد واركع أو اجلس في مسجدك بعد الصلاة، ستجد لذة لا تشعر بها إلا في هذا المكان.
الخلاصة
المال كالوقود في السيارة ضروري للحركة لكنه لا يحدد جمال الرحلة ولا قيمة الوجهة.
السعادة الحقيقية تبنى على أربعة أعمدة:
راحة النفس والقناعة.
علاقات إنسانية صادقة.
معنى وهدف في الحياة.
قيم راسخة تهديك الطريق.
المال يدعم كل هذا لكنه لا يصنعه، والذين أدركوا هذه الحقيقة مبكراً هم الأغنياء حقاً بصرف النظر عما في جيوبهم.
كلمة أخيرة
لا أدعوك لترك المال أو الزهد فيه، لكنني أدعوك ألا يتحول المال لطريق لتعاستك وعزلتك وخوفك وقلقك، لا تجعل جمعه يأتي على حساب صحتك وأسرتك وأهلك ومن تحب، ولا تحرق علاقاتك الطيبة من أجل مالك.
والآن توقف لحظة واسأل نفسك بصدق: هل مالك يخدمك أم أنت تخدمه؟
اجعل المال في يدك لا في قلبك، واجعله وسيلة لحياة طيبة لا سجناً يحرمك منها.
الرحلة نحو السعادة لا تبدأ من المحفظة بل من فهم الذات.
د. عبدالله القفاري
Dralqefari@