صحيفة عاجل الإلكترونية
الرئيسيةمقالات الرأي
مقال رأي

عندما تنهار الإمبراطوريات.. لماذا تتبخر ثروات ضخمة في جيل واحد فقط؟

د. عبدالله القفاريد. عبدالله القفاريكاتب رأي · الأحد 30 أغسطس 2026

في الحلقات السابقة من هذه السلسلة تحدثنا عن السر الذي يحول بعض العائلات إلى إمبراطوريات مالية تدار بمكاتب عائلية محترفة عبر أجيال، وتحدثنا عن فخ النجاح الأول الذي يحجب الرؤية عن أهمية بناء نظام مؤسسي مستقل، ولكن يبقى سؤال أكثر إيلاما يستحق الوقوف عنده: ماذا يحدث فعلياً حين لا تنتقل العائلة لهذا النظام؟ الإجابة ليست نظرية، بل هي قصص حقيقية تكررت في أكثر من بلد وأكثر من عصر، حيث بُنيت ثروات ضخمة بجهد عمر كامل، ثم تبخرت بالكامل في يد الجيل الذي تلاها، وأحيانا في أقل من عقد واحد فقط.

وما يجمع هذي القصص كما سنرى ليس نقص الذكاء أو غياب الفرصة، بل غياب عنصر واحد بالتحديد: نظام يحمي الثروة من اعتمادها الكامل على شخص واحد.

من بريدة إلى الرياض.. إمبراطورية الشويرخ وبنكها ينهاران في جيل واحد

من أبرز القصص المحلية الموثقة على هذا النمط قصة محمد العلي الشويرخ، الذي ولد في بريدة عام 1320هـ وتعلم التجارة من والده وعمه، وبعد رحلة شاقة بين نجد والشام وفلسطين والأردن، شملت احتجازه من قوات الانتداب البريطاني وهروبه، رجع بالمال والخبرة وانتقل إلى الرياض في الستينيات الهجرية ليصبح أول مصرفي فيها ويؤسس بنك الشويرخ، وعاشت أسرته الرفاهية الكاملة حتى السفر بطائرات خاصة في زمن لم تعرفه الرياض بعد.

ولأنه كان وحيد أمه بلا إخوة يشاركونه التجارة، توقع بنفسه ما سيحدث بعد وفاته، فحين تولى ابنه الشاب فهد الإدارة دخل في مشروع خسر فيه كل الأموال، فانهار بنك الشويرخ وانهارت الإمبراطورية كاملة في جيل واحد، وخسرت العائلة أكثر من 90 مليون ريال، في زمن كان هذا الرقم ميزانية لبعض الدول.

وهذي القصة، كما رواها أحد أبناء الشويرخ بنفسه في لقاء تلفزيوني، تلخص فخ النجاح الأول بوضوح، فالمؤسس اعتمد كليا على خبرته وحكمه الشخصي طوال حياته، ولم يبن فريقا محترفا أو نظاما إداريا مستقلا يدير الثروة بعده، وحين غاب غاب معه العقل الوحيد الذي كان يدير كل شي، فانتقلت القرارات لشاب لم يراكم الخبرة الكافية ولا وجد من يوازنه أو يستشيره، فكانت خسارة واحدة كافية لإسقاط ثروة عمر كامل وبنك بأكمله.

وليست قصة الشويرخ حالة استثنائية

وما يجعل قصة الشويرخ أكثر إيلاما هو أنها ليست حالة فردية نادرة، بل نمط متكرر في أكثر من ثلاثين عائلة خليجية وعربية أعرف كثيراً منها بالاسم من خلال عملي في الاستشارات، ومن أراد دليلاً حياً على ذلك فليزر مركز العقيلات الثقافي في بريدة ويتصفح أسماء بعض العائلات الثرية التي كان لأجدادها صولة وجولة في رحلات العقيلات الشهيرة بين نجد والشام ومصر وفلسطين، فسيجد أن أحفاد هؤلاء اليوم أصبحوا على حد الكفاف وليس لهم أي ذكر في عالم المال والأعمال، ليس لأن الفرصة غابت بل لأن النظام الذي يحمي الثروة ويورثها غاب معها.

وبعض هذي العائلات لم تفقد ثروتها بعد رحيل المؤسس فقط، بل في آخر سنوات حياته نفسه حين كبر حجم الثروة عن قدرته الشخصية على السيطرة والمتابعة، وهو لا يزال في نموذج عائلة السنارة بلا حوكمة أو مكتب عائلي يدير الثروة عنه أو يوازن قراراته.

وفي حالات أخرى تفرقت الثروة بين الورثة بعد الوفاة مباشرة، وأُغلقت المشاريع تدريجيا، وتقلصت الأموال حتى استُهلكت في الكماليات والإنفاق اليومي، وانتهى الأمر بأن عاد بعض الأبناء الذين عاشوا الرفاهية الكاملة في طفولتهم إلى الاعتماد على الصدقة والزكاة في حياتهم اللاحقة.

وهذا التكرار الواسع للنمط نفسه، عبر عشرات العائلات لا عائلة واحدة، وفي مرحلتي حياة المؤسس وما بعدها على حد سواء، يؤكد أن المشكلة ليست في شخص أو قرار عابر، بل في غياب ثقافة الحوكمة والتخطيط المؤسسي نفسها في جيل كامل من تجار المنطقة.

في نيويورك.. أغنى عائلة في أمريكا تتلاشى ثروتها بالكامل

كان كورنيليوس فاندربيلت أغنى رجل في أمريكا حتى وفاته عام 1877، بعد أن حول 100 دولار استدانها من والدته في سن السادسة عشرة إلى إمبراطورية سفن وسكك حديدية بلغت 95 مليون دولار، أي ما يعادل 2.1 مليار دولار بقيمة اليوم، وترك الجزء الأكبر من ثروته لابنه الأكبر وحده، مخالفا بذلك نموذج عائلة أستور المنافسة التي وزعت ثروتها على الأبناء والأحفاد بنظام محدد.

ولكن الانهيار الحقيقي بدأ مع الجيل الثالث، حين قسّم وليام فاندربيلت الثروة بين ثلاثة من أبنائه الأربعة، فتشتت القرار الموحد الذي كان يحكم الإمبراطورية، وبدلا من أن يتفرغ الأبناء لتطوير الأعمال، سلّم أحدهم إدارة السكك الحديدية لشركة خارجية وتفرغ للحياة الاجتماعية وسباقات اليخوت، بينما صرف آخر معظم ثروته على عقار ضخم تجاوزت مساحته 146 ألف فدان.

ومع الجيل الرابع تحول الأحفاد بالكامل من بناة ثروة إلى مستهلكين لها، والنتيجة كانت صادمة: في غضون ثلاثين سنة فقط من وفاة كورنيليوس لم يبق أي فرد من العائلة بين أغنى الأمريكيين، وبعد 48 سنة من وفاته توفي أحد أحفاده معدما تماما، وحين اجتمع 120 من أحفاد كورنيليوس في لقاء عائلي عام 1973 لم يكن بينهم مليونير واحد.

ويتفق المحللون على أن السبب الجذري لم يكن الإنفاق وحده، بل غياب أي نظام أو هيكل لنقل الثروة بين الأجيال، وحتى أحد أحفاد العائلة من الجيل الثالث وصف الإرث بنفسه بقوله إن الثروة الموروثة عائق حقيقي أمام السعادة، فهي مدمرة للطموح بقدر ما يدمر الكوكايين الأخلاق.

في أركنساس.. عائلة وول مارت تحافظ على لقب أغنى عائلة في العالم

في المقابل التام لقصة فاندربيلت، تقدم عائلة والتون مؤسسة إمبراطورية وول مارت نموذجا واضحا لما يحدث حين تنتقل العائلة من جيل المؤسس إلى نظام مؤسسي حقيقي، فبعد وفاة سام والتون عام 1992 انتقلت ثروته إلى زوجته هيلين وأبنائه الأربعة جيم وروب وأليس وجون، في تقسيم استراتيجي ضمن بقاء السيطرة على الشركة داخل العائلة، وأسست منذ البداية كيانا يحمل اسم والتون إنتربرايزز بحيث يحصل كل من أبنائه الأربعة على حصة متساوية.

واليوم يدير هذا الكيان ما يقدر بـ250 مليار دولار من الثروة العائلية المجمعة عبر خمسة أجيال، ويعمل بحوكمة دقيقة تشمل مجلسا عائليا يجتمع بشكل دوري، ولجنة استثمار تضم إشرافا مهنيا من أفراد العائلة وخبراء خارجيين، وبرنامجا منظما لتأهيل الجيل القادم، وحتى دخول أحد أفراد العائلة في عضوية مجلس إدارة الشركة لا يتم بالوراثة المباشرة، بل عبر عملية حوكمة داخلية تتطلب من المرشح أن يتقدم بنفسه ثم يخضع لمتابعة وتقييم وتأهيل عبر سنوات.

ولعل أبلغ تعبير عن هذا الفارق هو ما صرح به روب والتون نفسه حين قال: "نحن نفكر بالأجيال لا بالأرباح الفصلية، فالقرارات التي نتخذها اليوم يجب أن تبدو حكيمة بعد خمسين عاما من الآن."

الثروة الراشدة.. كيف رتب الشيخ سليمان الراجحي إرثه بنفسه وهو على قيد الحياة؟

في نموذج خليجي معاصر، قرر الشيخ سليمان الراجحي الذي بدأ حياته من الصفر وبنى أحد أكبر المصارف الإسلامية في العالم، أن يرتب إرثه بنفسه وهو لا يزال على قيد الحياة، وصرح هو نفسه بالسبب حين قال: "أحد أهداف تقسيم ثروتي قبل وفاتي هو خشيتي من وفاة أحد أفراد الأسرة قبلي، وأخشى أن يترتب عليه حرمانه وأبناؤه من الميراث."

وابتكر الراجحي طريقة منظمة، فقسّم الثروة إلى محافظ متساوية ثم وزعها بالقرعة بين أبنائه وبناته لضمان العدالة، وأدخل عددا من شركاته العملاقة ضمن هيكل الوقف، مثل مشروع دواجن الوطنية والوطنية الزراعية وأسهمه في مصرف الراجحي، وأسس شركة أوقاف سليمان الراجحي القابضة، واستعان بعشرات المستشارين والخبراء من تخصصات مختلفة، شرعية وقانونية ومالية.

وهذا الترتيب المسبق هو بالضبط ما يمنع الصراع الذي شهدناه في قصص أخرى، فالراجحي حسم الملف بنفسه وهو حي، وخرج من دائرة الملكية المباشرة تماما، حتى وصف حاله بقوله إنه عاد فقيرا كما بدأ.

القاسم المشترك بين قصص الفشل

عند وضع قصتي الشويرخ وفاندربيلت جنبا إلى جنب، يظهر نمط واحد متكرر رغم اختلاف الزمان والمكان والعملة، فكلا المؤسسين بنى ثروة ضخمة بجهده الشخصي وحكمه الفردي، ولم يترك خلفه نظاما مؤسسيا مستقلا يدير الثروة بعد غيابه، ومحمد الشويرخ توقع بنفسه ما سيحدث، تماما كما توقع كورنيليوس فاندربيلت أن تركيز الثروة بيد شخص واحد قد يكون خطيرا، لكن كلاهما لم يتجاوز هذا القلق إلى فعل مؤسسي حقيقي.

والنمط يتكرر في طبيعة الانهيار نفسه، ففي الحالتين لم يكن السبب نقص الفرصة أو ضعف الاقتصاد، بل قرار واحد خاطئ كان كافيا لإسقاط ثروة عمر كامل، وفي كلا الحالتين انتقلت القرارات الكبرى إلى جيل لم يراكم الخبرة الكافية، ولم يجد من يوازنه أو يستشيره.

القاسم المشترك بين قصص النجاح

في المقابل التام، يكشف نموذجا والتون والراجحي أن الفارق الحقيقي لم يكن في حجم الثروة أو ذكاء الورثة، بل في قرار واحد اتخذه المؤسس بنفسه وهو حي: أن يحول ثروته من ملكية شخصية إلى نظام مؤسسي يحكمه ميثاق وحوكمة وفريق مستقل، قبل أن تأتي لحظة الانتقال القسري بالوفاة.

فسام والتون لم ينتظر حتى وفاته ليقرر من يدير الثروة، والراجحي نفّذ الانتقال بالكامل وهو حي، والقاسم المشترك الثاني أن النجاح لم يتوقف عند توزيع المال بل امتد لبناء نظام تأهيل حقيقي للجيل القادم، والقاسم المشترك الثالث والأهم أن كلا العائلتين فصلت بين الثروة الجماعية الموحدة والمسارات الفردية لكل عضو.

وأخيرا من بريدة إلى نيويورك إلى بنتونفيل إلى القصيم، تكشف هذي القصص حقيقة واحدة لا تتغير بتغير الزمان أو المكان أو حجم الثروة نفسها، وهي أن المال وحده لا يضمن استمرار شيء، والفجوة بين عائلة تتحول لإمبراطورية وعائلة تتجمد أو تنهار ليست فجوة في رأس المال المتوفر، بل في لحظة تحول واحدة يقررها صاحب الثروة نفسه: أن يبني نظاما يكبر بعده لا أن يترك ثروة تنتظر من يرثها بلا خارطة طريق.

د. عبدالله القفاري

@DrAlqefari

شارك المقال
Xf
د. عبدالله القفاري
د. عبدالله القفاري
كل مقالاته

مقالات أخرى