هل سألت نفسك يوماً: أين يذهب بريدك الإلكتروني، وبياناتك الحساسة في تطبيقات التواصل الاجتماعي (بعد وفاتك)؟
الممتلكات المادية أمرها واضح ومصيرها معلوم، ولها أنظمة وتشريعات خاصة بها، أما الممتلكات الإلكترونية أو (Digital assets) فيصعب امتلاكها والمطالبة باستعادتها أو إلغائها بعد انتقالك للآخرة.. والمسألة لا تتعلق فقط بالوثائق والمستندات، بل وبحقيقة أنك «إنسان» يملك أسراراً وخصوصيات لا يرغب باطلاع أحد عليها بعد وفاته.
ولأنه لا توجد قوانين واضحة أو اتفاقيات موحدة، تضع كل منصة مستضيفة أنظمة خاصة بها. وحين بحثت شخصياً في بروتوكولات المواقع الأكثر استعمالاً لدينا (مثل الجيميل ومنصة X) اتضح لي وجود بروتوكولات مشتركة، وفي الوقت نفسه اشتراطات مختلفة ومزايا متفاوتة فيما بينها.
خذ مثلاً بريد الجيميل (Gmail) الذي يظل مفتوحاً ولا يغلق أبداً (حسب ادعاء شركة جوجل). وفي حال وفاتك يسمح لوريثك التالي بفتح بريدك الإلكتروني والاطلاع على مستنداتك طالما قدم ما يثبت علاقته بك. وحين يطمئنون إلى علاقته بك لا يسمحون له فقط بالتفتيش في رسائلك ومستنداتك، بل وبطلب حذفه وإلغائه نهائياً!!
أما بريد الياهو (Yahoo) -والذي لا أعرف إن كان أحد يستخدمه هذه الأيام- فلا يسمح لأي إنسان بالدخول إلى حساباتك بعد وفاتك حتى ورثتك المعتمدين، طالما وافقت أنت منذ التأسيس على هذا الشرط. ويظل مفتوحاً حتى يلاحظ الموقع عدم وجود أي نشاط فيه فيلغيه تلقائياً ودون استئذان!!
أما بريد الهوتميل (Hotmail) -الذي كنا نستخدمه قبل الجيميل- فيلغي نفسه تلقائياً في حال لم تستعمله أنت خلال عام كامل. وفي حال وفاتك قبل هذا الوقت يمكن لوريثك الأول (كما هو الحال مع الجيميل) تقديم مستندات ووثائق تثبت علاقته بك، وبالتالي يحق له الاطلاع على أرشيفك وحذفه نهائياً.
أما بخصوص تطبيقات التواصل الاجتماعي فلا يمكننا تجاهل الحديث عن الواتساب، ومنصة X، والفيسبوك.. فهذا الأخير مثلاً يتخذ موقفاً وسطاً بين تشدد الياهو وتساهل الجيميل؛ فهو من جهة لا يسمح لأحد بالدخول إلى حساباتك الخاصة (ما لم تكن أنت قد منحت هذه الصلاحية مسبقاً لشخص ما)، ولكن في حال إبلاغه بوفاتك من قبل أحد أقربائك يحول صفحتك إلى «صفحة ذكرى» دائمة مع حذف معلوماتك الحساسة!!
أما سياسة الواتساب (WhatsApp) فتختلف جذرياً عن المنصات الأخرى لأن الحساب مرتبط بشكل أساسي برقم الهاتف وليس بالهوية الشخصية أو البريد الإلكتروني. كما أن الرسائل مشفرة "بين الطرفين" ولا تُخزن في خوادم الشركة وتحذف تلقائياً بعد 120 يوماً (وإذا لم يتصل الحساب بالإنترنت لمدة 120 يوماً متواصلة، يتم حذفه تلقائياً من خوادم الشركة).
أما منصة "إكس" (تويتر سابقاً) فتختلف عن المنصات الأخرى مثل الفيسبوك (الذي يتيح تحويل الحساب لمقبرة إلكترونية) وجوجل (الذي يتيح اختيار وريث رقمي) كونها لا تمنح حق الوصول لأي شخص، بغض النظر عن قرابته بالمتوفى؛ لحماية خصوصية صاحب الحساب بعد وفاته.. الخيار الوحيد المتاح للعائلة هو فقط طلب إغلاق الحساب رسمياً..
على أي حال، تذكر أن هذه هي "سياسات" المنصات المستضيفة، فما هي (سياستك أنت) بخصوص بياناتك الرقمية بعد وفاتك؟
.. فكر جدياً في هذا الموضوع، وتذكر دائماً أننا نعيش في عصر التعاملات الإلكترونية ونملك عدداً كبيراً من الحسابات والبطاقات والأرقام السرية في فضاء الإنترنت. وكي لا تدخل عائلتك بعد وفاتك في متاهات البحث وتعقيدات المطالب الرسمية (خصوصاً تعاملاتك المالية) اسمع نصيحتي واكتب الرموز الخاصة بحساباتك الإلكترونية داخل مظروف مغلق واكتب عليه من الخارج «لا يفتح إلا بعد وفاتي»!!
ودعواتي لك بالصحة وطول العمر...