وهم العولمة وفقدان الهوية يا جامعة فنون الرياض

تم النشر في

بحكم دراستي في عدد من الدول وإجادتي لخمسة لغات عالمية، لم أجد ثقافة تُدرِّس الفنون لطلبتها بغير لغتها الأم فالفن ليس مجرد محتوى يُنقل، بل إحساس يُعاش، وسياقٌ ثقافي يتشكّل داخل اللغة لا خارجها. وحين نحاول نقل هذا الإحساس إلى لغة أخرى، فإننا لا نترجمه بقدر ما نُجرّده من كثير من ملامحه. وما طرحه وكيل وزارة الثقافة للشراكات الوطنية عبر إحدى قنوات التدوين الصوتي يعيد إلى ذهني مشهدًا مألوفًا: شخص يروي نكتة بلغته، ثم يحاول ترجمتها لثقافة أخرى، فتبهت الفكرة وتضيع الضحكة. ومن هنا يبدأ هذا المقال.

ولعل الفكرة القائلة بأن تدريس الفنون في الجامعات السعودية باللغة الإنجليزية هو الطريق لإيصال الرسالة الثقافية للعالم تبدو للوهلة الأولى منطقية في سياق العولمة، لكنها عند التمحيص تحمل إشكالات جوهرية تمس الهوية والفعالية معًا. فأولا، اللغة ليست مجرد أداة نقل، بل وعاء للمعنى الثقافي، وحين يُدرَّس الفن وهو بطبيعته تعبير عن الهوية والبيئة بلغة غير لغته الأصلية، فإن جزءًا كبيرا من العمق الدلالي يُفقد. كما أن الفنون السعودية تستمد خصوصيتها من سياقها المحلي الذي يرتكز على مفردات منها التاريخ، المجتمع، الرموز، واللغة. وعندما يُعاد إنتاج هذا المحتوى باللغة الإنجليزية داخل بيئته الأصلية، فإننا نخلق مسافة بين الفنان وجذوره، ونخاطر بإنتاج فن “مترجم” بدلًا من فن أصيل وهذا أمر مزعج في سياق إيصال ثقافتنا عالميا.

الأمر الثاني، على افتراض بأن اللغة الإنجليزية هي الوسيلة الأساسية للوصول للعالم مبالغ فيه، فالتجارب العالمية تُظهر أن دولًا مثل فرنسا واليابان وكوريا الجنوبية حافظت على لغاتها في التعليم الفني، ومع ذلك وصلت فنونها عالميًا بقوة، باعتبار أن الانتشار لم يكن نتيجة تغيير لغة التعليم، بل نتيجة سياسات ثقافية، واستثمار في الترجمة، والترويج الدولي. الأمر الثالث، يعد إيصال الفن للعالم لا يعتمد على الفنان وحده، فليس مطلوبًا من كل فنان أن يكون متعدد اللغات بقدر ما هو مطلوب وجود منظومة داعمة في مجالات الترجمة المتخصصة في الفن، ومنصات عرض دولية، ومعارض، ونقاد عالميون، ومؤسسات ثقافية تقوم بدور الوسيط. وهنا يظهر دور “الترجمة الثقافية والإعلامية” التي تنقل العمل الفني وسياقه إلى الجمهور العالمي دون أن تفرض على الفنان تغيير لغته أو أدواته.

رابعا وأخيرا فإن المعارض الدولية والبرامج الثقافية العابرة للحدود هي التي تصنع الحضور الحقيقي للفن، وبلا شك فهذه القنوات تعمل بلغات متعددة، وتُدار عبر مؤسسات محترفة لا أفراد فقط، وبالتالي فإن الرهان على لغة التدريس وحدها كأداة للانتشار هو تبسيط مخل ولا يصنع فن عابر للقارات كما يعتقد المسيرون لهذا المشروع.

بقي القول، إن تدريس الفنون باللغة الإنجليزية قد يمنح مهارة إضافية لكنه ليس شرطًا للانتشار العالمي، بل قد يضعف الارتباط بالهوية، ولعل الطريق الأجدى هو تعليم الفن بلغته الأصلية مع بناء جسور احترافية للترجمة والترويج، تضمن وصول الصوت السعودي إلى العالم دون أن يفقد نبرته الأصيلة وهذا هو الذي لا يجب أن يفوت على ما يقومون بتدريس الفن السعودي في الجامعات المعاصرة.

‎أكاديمي، ومستشار اتصالي

logo
صحيفة عاجل
ajel.sa