Menu
فاطمة بنت مستور
فاطمة بنت مستور

أبناؤنا في عالم الفوضى والشّتات الرقميّ

الاثنين - 23 شوّال 1441 - 15 يونيو 2020 - 04:27 م

كنت بجوار ابنتي التي تبلغ العاشرة من عمرها، أحاول جاهدة حَثَّها وتشجيعها على استثمار وقتها بالقراءة.. فَتَحَتْ الكتاب «وكان الكتاب قصة قصيرة تقع في عشر صفحات مصوَّرة برسوم فاخرة»، وبَدَأَتْ في قراءة الصفحة الأولى، طلبتُ منها تداول القراءة بيني وبينها وكانت تمسك بجهازها اللوحي فوضعته جانبًا ثم الْتَفَتَتْ إلى القصة فنظرت إليها بابتسامة باهتة باردة وتَمْتَمَتْ: «واو قصة مرّة حلوة»، تريد إنهاء القراءة وكأنّ كل تلك المقدّمات المُغرية لا تعني شيئًا في عالمها المنفتح الذي يفوق عقلها الصغير أضعافًا مضاعفة..

أدركت أن الكتبَ الجميلة المصوَّرة و القصص الملوَّنة ذات الطباعة الفاخرة والورق المصقول والألوان الجاذبة، لم تعد جاذبة كما كانت قبل عقد من الزمان..

وأن انكباب أبنائي الأكبر سنًّا على القراءة عندما كانوا صغارًا دون العاشرة من العمر ونحن في ديار الغربة، وشغفهم الشديد بقراءة القصص المصوَّرة وشراء الكتب والمجلات كلّ شهر عبر موقع scholastic الشهير، وتشجيع المدرسة الدائم لهم وتحبيبهم في القراءة بشتى الوسائل.. كل ذلك لم يعد مُجديًا في زمن التواصل الرقمي والواقع الافتراضي المزدحم بالأحداث والأخبار والوقائع  والمقاطع المصوَّرة..

لم يعد هناك منافس جدير على الساحة، على الأقل ليحظى ولو بعدد محدود من الأصوات المؤيِّدة والأبواق الناعقة..

لم تعد أعين الطفولة تلمع عند رؤيتها قالب حلوى أو قطعة وافرة من الشوكولا، فضلًا عن التفاتها نحو غلاف شيّق لكتاب ذي ألوان برّاقة..

ولم يعد صغارنا يفضلون الجلوس بجوارنا قبل النوم للاستماع بحب إلى «حكاية قبل النوم».. فتغمض أجفانهم الصغيرة على صوت الأم وهي تمثل دور الطاهية البارعة أو الجدة الرؤوم أو الدّبّ المشاكس أو الطفلة التائهة في الغابة..

لقد كَبُرَ أطفالنا قبل أوانهم.. كبروا ولمّا ينضجوا بعد.. كَبُرَتْ آمالُهم واتّسعت دائرة مطالبهم وارتفع سقفُ تقييمهم لكل ما يُقَدَّم لهم، وما يُبذَل لهم من جهود وعطاءات..

تزامنت عجلة التسارع الخارقة في إيقاعات الحياة والعجز عن مواكبة المتغيّرات والمستجدّات مع الانفجار المعرفي والتقني الهائل الذي يموج بين أيديهم البريئة.. على نحو منقطع النظير على مرّ التاريخ..

فكانت النتيجة: فوضى نفسية وشتات رقميّ واضطرابات اجتماعية وسلوكية تهدد هذا الجيل الناشئ، وتنذر بشؤم مستقبل غامض ينتظرهم.. وقد بدت بعض علاماته مع ظهور هذه الأزمات الكاشفة والنوازل المقلقة.. مما يزيد قلقنا نحوهم في كيفية تعاطيهم في حال الشباب مع هذا النوع من الحوادث والأحداث، وقدرتهم على المواجهة والتّكيّف، وتحلّيهم بالصلابة النفسية لمقاومة الضغوط وإدارة الانفعالات..

لقد بات رضى أطفال اليوم غاية لا تكاد تُدرَك.. فقد وصلوا حدَّ الإشباع؛ بل وما فوق الإشباع من النظر الباذخ والتجوّل المترَف عبر العالم الافتراضي من الشرق إلى الغرب، وجابوا الأماكن كلَّها من بيوت ومطاعم وأسواق وأكلات وهدايا وأسفار.. كل هذا «عن بُعد».. فما عاد يملأ عيونَهم الفتيّة شيءٌ، وما صار يعجبهم العجب..

ناهيك عن التحوّر العجيب في الاهتمامات والاختلاف المريب في الميول..

فما صارت القراءة هدفًا ولا وسيلة ولا غاية.. وما عاد حجر الأب الوثير مَطلبًا يثير غيرة الآخرين.. ولا حضن الأم الدافئ كنفًا ومهربًا يحفّز تنافس المحيطين..

بل صارت العلاقات عند الصغار باهتة بلا ألوان.. تمامًا كعالمهم الذي يتابعونه ليل نهار، قابعين وراء الشاشات مسمّرين أعينَهم فيها..

إنّ علينا معاشر الآباء والمربّين ألا ننتظر حتى يتدخل جرس الإنذار ليشعرنا بخطورة الأمر..

بل علينا التحرّك نحو فلذات الأكباد سراعًا قبل أن تَغْتَالَ طفولتَهم  الفوضى الرقميةُ وتجتالهم شياطين العالم الافتراضي لتتخطّفهم من بين أيادينا..

إن إشغال الأطفال وغمرهم في الأنشطة المنزلية خاصة في هذه الظروف التي تَفْرِضُ عليهم البقاء في البيت قد أمسى أمرًا محتّمًا علينا.. مع الحرص على تنويع الأنشطة ومشاركتهم في بعضها..

وربما يساهم دخول جميع أفراد الأسرة بما فيهم الأبوين في مسابقات مهارية أو علمية مع إظهار الحماس والمتابعة والتشجيع اللفظي والمعنوي.. ربما يُسهم في جذب الصغار نحو الانخراط معهم وإبعادهم بطريقة ذكية عن تلكم الأجهزة الذكية..

وقد يكون التدخّل الوالديّ من خلال تقنيّات التحكم عن بُعد في أجهزتهم وتحديد ساعات الاستخدام والإغلاق من أنجح الطرق إذا شعر الأطفال بوجود بدائل تستحق المخاطرة من أجلها بتملّك قلوبهم وتحفز الاستغناء عنه..

ومن الأساليب المعيّنة ربما تدريبهم على مواجهة المخاطر من خلال مواقف مُصْطَنَعَة أو أسئلة موجّهة تقيس استيعابهم لمفهوم الأزمة والخطر، مع إكسابهم بعض المهارات الشخصية والاجتماعية والسلوكية الملائمة للموقف، وكيفية التصرّف في حال تعرُّضهم له..

علينا أن نعلم أن أبناءنا وبناتنا يتعلمون من بعضهم ويكتسبون التصوّرات والمفاهيم من أقرانهم  بطريقة أفضل وأمهر وأسرع مما يتعلمونه منّا.. فلو وعينا ذلك تمامًا أيها الأب الكريم وأيتها الأم الفاضلة.. لكان في استطاعتنا من خلال تواصل أبنائنا مع بعض أن نضبط كثيرًا من السلوكيات غير المرغوبة، ونحدّ كثيرًا من الرغبات المتزايدة غير المبررة لديهم..

لأنهم باختصار شديد يقلدون بعضهم بعضًا..

 فلنتعاون معًا في التقليل من العمليات الاستعراضية التي يقوم بها صغارنا وفي الحدّ من التنافس المحموم بينهم في إبراز الهدايا والعطايا وألوان المآكل والمشارب والملابس التي لا ينفكون عن تصويرها..

وأخيرًا فإنه لا أعظم ولا أنفع من لزوم الدعاء لهم في كل وقت بأن يحفظهم الله تعالى من شياطين الإنس والجن، وأن يرزقنا المصابرة على حسن التربية ويمدنا بمدد التوفيق والسداد في رعايتهم وتهذيبهم..

الكلمات المفتاحية