ليست كل السير التي تبقى في ذاكرة المدن مرتبطة بمنصب أو شهرة واسعة؛ فبعضها يبقى لأن صاحبه عاش قريبًا من الناس، حاضرًا في تفاصيل حياتهم، ومؤثرًا في أجيال تعاقبت أمامه عامًا بعد عام، وفي ذاكرة التعليم بالبكيرية، يبرز اسم المربي صالح بن علي بن عبدالله العقل -رحمه الله-، بوصفه أحد الأسماء التي ارتبطت بالمدرسة والطالب والعطاء التربوي لعقود.
وُلد العقل في الأول من رجب عام 1362هـ، وتلقى تعليمه الابتدائي في البكيرية، ثم حصل على شهادة معهد المعلمين، وبدأ التدريس في سن مبكرة، لتبدأ مسيرة تعليمية امتدت 34 عامًا.
وكانت الفوارة أولى محطاته في الميدان، ثم انتقل إلى ضرية، قبل أن يعود إلى البكيرية ويستقر الجزء الأكبر من مسيرته في مدرسة سعود الكبير الابتدائية، التي أمضى فيها نحو 31 عامًا، وعاصر خلالها أجيالًا متعاقبة من الطلاب.
ورغم دخوله التعليم مبكرًا، لم يتوقف عن تطوير نفسه، فالتحق بمعهد الدراسات التكميلية في الرياض، ثم حصل على شهادة الكلية المتوسطة لإعداد المعلمين بالرس، جامعًا بين الخبرة الميدانية ومواصلة التأهيل العلمي.
وامتد اهتمامه بالتعليم إلى ما هو أبعد من حدود الفصل؛ إذ كان عام 1388هـ من بين المطالبين بتوسيع فرص تلقي المرأة التعليم في البكيرية، في موقف مبكر يعكس اهتمامه باتساع دائرة التعليم ووصوله إلى شرائح أوسع من المجتمع.
وتمنح هذه المحطة مسيرته بعدًا إضافيًا؛ إذ لم يكن حضوره في التعليم مرتبطًا بوظيفته وحدها، بل امتد إلى الاهتمام بقضايا التعليم في محيطه، وهي سمة عُرف بها جيل من المربين الذين حملوا رسالة المدرسة إلى خارج أسوارها.
وفي 23 من ذي القعدة عام 1422هـ، توفي صالح بن علي بن عبدالله العقل، بعد حياة ارتبط جانب كبير منها بالتعليم وخدمة الأجيال.
وتبقى سيرته اليوم جزءًا من ذاكرة التعليم في البكيرية؛ سيرة معلم بدأ مبكرًا، وواصل التعلم وهو يعلّم، وأمضى عقودًا بين طلابه ومدرسته، وترك أثرًا يستحق أن يُستعاد ويُوثق.

