تُعد مواجهة الأرجنتين وإنجلترا من أكثر المباريات التي تتجاوز حدود كرة القدم، إذ تمتزج فيها السياسة بالتاريخ والرياضة. فمن حرب الفوكلاند عام 1982 إلى هدفي الأسطورة الأرجنتينية دييغو أرماندو مارادونا في مونديال 1986، أصبحت لقاءات المنتخبين تحمل رمزية خاصة جعلتها من أبرز مواجهات كأس العالم. وتتجدد هذه القصة، الأربعاء، في نصف نهائي كأس العالم 2026، وسط اهتمام يتجاوز المستطيل الأخضر.
ما هي حرب الفوكلاند؟
اندلعت حرب الفوكلاند في الثاني من أبريل 1982، واستمرت حتى 14 يونيو من العام نفسه، بعدما اجتاحت القوات الأرجنتينية الجزر التي تطالب بها بوصفها جزءًا من أراضيها، بينما تخضع للسيطرة البريطانية منذ عام 1833.
وانتهى النزاع باستسلام الأرجنتين واستمرار السيطرة البريطانية على الجزر، التي تُعرف في بريطانيا باسم "فوكلاند"، بينما تسميها الأرجنتين "لاس مالفيناس". وتقع الجزر في جنوب المحيط الأطلسي على بعد نحو 480 كيلومترًا شرق سواحل أمريكا الجنوبية، وتتمتع بأهمية استراتيجية واقتصادية.
وتقول الأرجنتين إن الحرب أسفرت عن مقتل 645 من قواتها، مقابل 255 قتيلًا من الجانب البريطاني.
مارادونا.. ليلة خلدت المواجهة
بعد أربع سنوات من انتهاء الحرب، التقى المنتخبان في ربع نهائي كأس العالم 1986 بالمكسيك، في أول مواجهة بينهما منذ النزاع العسكري، وفازت الأرجنتين بنتيجة 2-1.
وسجل دييغو أرماندو مارادونا هدفي منتخب بلاده، إذ أحرز الأول بيده في واحدة من أكثر لقطات كأس العالم إثارةً للجدل، قبل أن يضيف الهدف الثاني بعد انطلاقة فردية راوغ خلالها خمسة لاعبين إنجليز، في الهدف الذي اختاره الاتحاد الدولي لكرة القدم لاحقًا "هدف القرن".
ولم تكن المباراة مجرد مواجهة كروية، إذ حملت أبعادًا رمزية كبيرة بالنسبة للأرجنتينيين، خاصة أن الحرب كانت لا تزال حاضرة في الذاكرة، وكان عدد من اللاعبين قد فقدوا أقارب أو أصدقاء خلال النزاع.
وقال مارادونا بعد المباراة: "كان الأمر أشبه بسرقة محفظة إنجليزي"، في إشارة إلى هدفه الأول، قبل أن يقود الأرجنتين لاحقًا للتتويج بلقب كأس العالم للمرة الثانية في تاريخها.
تاريخ مواجهات المنتخبين
تقابل المنتخبان خمس مرات في كأس العالم قبل نسخة 2026، وشهدت هذه المواجهات العديد من المحطات التاريخية.
وكانت المواجهة الأولى في ربع نهائي مونديال 1966، عندما فازت إنجلترا بهدف دون رد. وبعدها بـ20 عامًا، حققت الأرجنتين الفوز بنتيجة 2-1 في ربع نهائي كأس العالم 1986، في المباراة التي خلدها مارادونا بهدفه المثير للجدل، إلى جانب الهدف الذي اختاره الاتحاد الدولي لكرة القدم لاحقًا "هدف القرن".
وفي مونديال 1998، تجدد اللقاء في دور الـ16، وانتهى الوقتان الأصلي والإضافي بالتعادل 2-2، قبل أن تحسم الأرجنتين بطاقة التأهل بركلات الترجيح. أما في كأس العالم 2002، فازت إنجلترا بهدف دون رد سجله ديفيد بيكهام في دور المجموعات، بينما كان آخر لقاء بين المنتخبين خارج كأس العالم في مباراة ودية عام 2005 انتهت بفوز إنجلترا بنتيجة 3-2.
ورغم مرور أكثر من أربعة عقود على انتهاء حرب الفوكلاند، فإنها لا تزال حاضرة في كل مواجهة تجمع المنتخبين، سواء في الخطاب الإعلامي أو في تصريحات بعض المسؤولين.
وقبل المواجهة المرتقبة، وصفت نائبة الرئيس الأرجنتيني فيكتوريا فيلارويل المباراة بأنها "أكثر من مجرد لقاء كرة قدم"، معتبرة أنها ترتبط بقضية جزر مالفيناس، فيما شدد مدرب الأرجنتين ليونيل سكالوني على أن المواجهة يجب أن تبقى في إطارها الرياضي.
وبين إرث حرب الفوكلاند وذكريات مارادونا في مونديال 1986، تتجدد واحدة من أكثر المباريات خصوصية في تاريخ كأس العالم، حيث تتداخل الذاكرة التاريخية مع التنافس الكروي في مواجهة تحظى باهتمام يتجاوز حدود المستطيل الأخضر.


