بالصور.. «بيوت عسير الملونة» تعود للواجهة بعد 42 عاماً من توثيقها

فن تلوين البيوت
فن تلوين البيوت

قبل أكثر من أربعة عقود، عبّر الباحث الفرنسي تيري موجيه عن دهشته من جمال الفن المعماري في منطقة عسير، فعمل على توثيقه من خلال جولات شملت معظم المواقع والقرى التي لا تزال وقتها تحتفظ بملامح فنية مستمدة من التراث العريق للمنطقة .

وكانت بيوت محافظة "الحرجة" الملونة من أبرز ما لفت نظر الرحالة والباحث الفرنسي المعروف، حيث وثقها بالصور في زيارتين متباينتين، الأولى في عام 1980عندما قَدِم لمنطقة عسير بصفته مهندساً يعمل في مجال الحاسب الآلي في أحد القطاعات الحكومية إلى جانب اهتمامه بالفنون والتراث، ثم عاد في زيارة ثانية بصفته باحثاً في عام 1994م.

وفي مطلع العام الجاري 2022، قررت وزارة الثقافة وبتوجيه من الوزير الأمير بدر بن عبدالله بن فرحان آل سعود، ممثلة في هيئة التراث، إطلاق مشروع يحتفي بهذا الفن التراثي العريق تحت عنوان "تلوين البيوت التراثية من الخارج"، وتتمثل المرحلة الأولى في إطلاق مسابقة لتلوين سبعة بيوت تراثية بمحافظة الحرجة جنوب مدينة أبها بحوالي 140 كيلومتراً، وذلك لتعزيز الهوية السعودية والتراث الفني الذي ينبثق منها، إضافة إلى الحفاظ على الإرث الثقافي والقيم الاجتماعية العريقة ورعاية الإبداع والمبدعين.

وبدأ الاهتمام بمشروع "بيوت عسير الملونة" بعد أن نشر سمو وزير الثقافة تغريدة يؤكد خلالها على ضرورة إحياء هذا الفن الأصيل بمنطقه عسير، فوجه سموه الهيئة العامة للتراث لإطلاق هذه المبادرة في تلك المواقع المستهدفة والبدء في أعمال ترميم المنازل المستهدفة وتهيئتها لتكون أنموذجاً لهذا الإرث الثقافي العريق، وتحفيز أصحاب القصور التراثية القديمة للعناية بآثارهم والمحافظة عليها، فبدأت المسابقة في أعمال الترميم على سبعة منازل تميزت بالتلوين في الماضي، وقد أنهيت أعمال ترميمها في أغسطس 2022 لتبدأ تلك القصور فصلاً جديداً من الألوان الزاهية من الطبيعة وعناصر البناء.

وخلال الأسبوع الجاري أقيمت المسابقة بمشاركة عدد من الفنانين والفنانات التشكيليين الذي أسمهوا مع الأهالي في إعادة تلوين واجهات المنازل التراثية بالطريقة التقليدية نفسها التي كانت عليها قبل أكثر من أربعين عاماً.

وفي حديثه لـ"واس" أعرب المواطن عوض بن محمد بن زرعه، صاحب "بيت بن زرعه التراثي" عن شكره وتقديره لوزير الثقافة الأمير بدر بن عبدالله بن فرحان آل سعود على توجيهه واهتمامه بهذا الفن التراثي العريق، الذي أعاد الحياة إلى تلك البيوت القديمة وأصبحت بهذه العناية والمبادرة وجهة للسياحة والمهتمين في الفنون والتراث.

وفي دراسته لفن تلوين البيوت في منطقة عسير وخاصة محافظة "الحرجة" يرى موجيه أن تأثير مدرسة الواقعية الفنية يظهر جلياً في تصوير النباتات والأغراض اليومية والطيور في التصميم الفني الخارجي للبيوت، ويحتمل أن يدخل على العناصر التصويرية تصويراً حيوانياً أو حتى بشرياً .

ويضيف " يعيد الإطار المزخرف الذي يزين الباب إلى الأذهان بشكل رمزي وظيفة الباب باعتباره نقطة انتقال بين الخارج والداخل، وتشترك إطارات الباب في التصميم ذاته مع الواجهة الأمامية للملابس التي ترتديها النساء".

ويؤكد موجيه في دراسته أن النساء يستفدن استفادة تامة من التشكيلة الجديدة المتاحة لهن من الألوان الصناعية بعد تحررهن من القيود التي تفرضها مساحيق الألوان الطبيعية، ويعلق على الأمر قائلاً "كان من الأحرى أن تكشف زخارف الجدران تفضيلات الألوان والترابط المفضل بينها بناء على توزيعاتها، لكنها في الحقيقة لا تكشف اختيارات الألوان في الإدراك اللوني بقدر ما تكشف التدرج، فالدرجات المستخدمة في الأغلب صارخة وقاطعة، ونادراً ما تكون مدرجة أو مركبة، ولا ترى أبداً في الزخارف نفسها أكثر من نوعين".

ويورد الباحث الفرنسي تفسيراً خاصاً لاستخدام اللون الأزرق في الواجهات الخارجية لبعض البيوت التراثية ، حيث يعتقد أن "تلوين الأبواب والنوافذ، وهي جفون المنزل باللون الأزرق، وتظلل حدودها باللون الأحمر، وعلى الرغم من كون اللون الأزرق غير محايد، فإنه ينتمي إلى منطق يمكنه أن يشمل طابعاً عملياً وهو طرد الذباب".

ويصل موجيه إلى نتيجة مفادها أن "بلاد قحطان -ومنها الحرجة- تتميز بعلامة ثابتة تحدد النوافذ باللون الأزرق وتحاط باللون الأحمر في ثلاثة جوانب ، فتعكـس ألـوان المنازل والصخور المطلية حولها الإحساس بالتعايش بين الطبيعة ومواد البناء، وتنبع الرغبة المستمرة في زخرفة الباب وطلاء الدرج من الحاجة إلى زيادة قيمتها الرمزية باعتبارهما محطة عبور إلى الداخل ".

واشتملت المسابقة التي نظمتها هيئة التراث في قريتي آل مسلم، ووادي جناب بمحافظة الحرجة بمنطقة عسير على فعاليات "تلوين" مصاحبة مثل الرسم على الخوص وتلوين قبعة الرأس " الطفشة" من خلال جناح للتشكيلية "حنان عيسى القحطاني" التي تحدثت لـ"واس" عن مشاركتها مشيرة إلى أنها تمارس الرسم منذ كانت على مقاعد الدراسة ، حيث تجيد فنون الكولاج والرسم والحرق على الخشب والرسم على الخوص ، وكانت مشاركتها في هذه الفعالية من خلال الرسم على الخوص" الطفشة" باستخدام فن القط العسيري إضافة إلى الألوان الأساسية المستخدمة في النقش الجنوبي بشكل عامّ.

كذلك شاركت التشكيلية "فاطمة يعقوب" من خلال جناح للرسم على الفخار بمفردات القط العسيري، حيث يعتبر تلوين الفخار جزء من فعالية التلوين التراثي.

وفتحت المسابقة المجال لمشاركة الأطفال من خلال عدة أجنحة منها جناح"الراوي" الذي تشرف عليه وتقدم فعالياته كاتبة قصص الأطفال "غلا القحطاني" التي أشارت في حديثها لـ"واس" إلى أن مشاركتها تتمثل في سرد قصص للأطفال باستخدام دمى المسرح حيث تركز جميع القصص على التراث العريق للمكان إضافة إلى سرد قصص اجتماعية مثرية معرفياً للأطفال المشاركين الذين تفاعلوا معها بشكل كبير.

وإلى جانب جناح الراوي يبرز جناح الرسم الذي تشرف عليه سارة القحطاني وعائشة القحطاني، اللتان أشارتا في حديثهما إلى أن الفعالية تتيح للأطفال إبراز مواهبهم من خلال الرسم على مجسمات صغيرة تمثل البيوت التراثية، إضافة إلى استخدام الصلصال في تشكيل نماذج فنية مختلفة معظمها من التراث المحلي.

قد يعجبك أيضاً

No stories found.
صحيفة عاجل
ajel.sa