يشكل حمام الحرم في مكة المكرمة مشهدًا بصريًا مألوفًا ارتبط بالعاصمة المقدسة عبر قرون، إذ وثقت المصادر التاريخية حضوره في كتب المؤرخين ورحلات الرحالة، ليبقى أحد رموز الحياة اليومية التي يألفها السكان والزوار والحجاج.
لا يقتصر حضور الحمام على الجانب الجمالي، بل يمتد إلى أبعاد تاريخية وثقافية وشرعية، إذ تضمنت المدونات المكية القديمة مثل كتاب "أخبار مكة وما جاء فيها من الآثار" لأبي الوليد الأزرقي، وكتاب "أخبار مكة في قديم الدهر وحديثه" لمحمد بن إسحاق الفاكهي، إشارات إلى وجود الحمام وأحكام صيده وارتباطه بخصوصية المكان.
تناولت هذه المصادر روايات وأشعارًا تتصل بحمام مكة، وأبرزت حضوره في المجتمع المكي والثقافة المحلية، كما نقل الرحالة محمد لبيب البتنوني في "الرحلة الحجازية" عام 1911م وصفًا دقيقًا لانتشار الحمام في المسجد الحرام وطرق العناية به، ما أضاف شهادات مشهدية تعكس واقع تلك الفترة.
عرف حمام الحرم بتسميات محلية مثل "حمام الحمى" و"حمام رب البيت"، ما يعكس مكانته في الذاكرة الشعبية، وارتبطت به أحكام شرعية تمنع صيده أو تنفيره داخل حدود الحرم، وهو ما وثقته كتب الفقه وأخبار مكة.
من الناحية العلمية، يعد الحمام من الطيور القادرة على التكيف مع البيئات الحضرية، مستفيدًا من المباني والساحات المفتوحة في الاستقرار والتعشيش، كما أوضحت الكاتبة روزماري موسكو في كتابها الصادر عام 2021م حول سلوك الحمام وقدرته على العيش في المدن.
توجد أسراب الحمام اليوم في ساحات المسجد الحرام والأحياء والشوارع المحيطة، ويحرص الكثير من الزوار على توثيق مشاهدها، فيما ترتبط هذه الصور بالذكريات وتجارب الحجاج والمعتمرين في مكة المكرمة.
ومع استمرار وجود الحمام، تبرز تحديات تتعلق بالنظافة والإصحاح البيئي نتيجة تجمع الطيور وتقديم الغذاء والماء بشكل غير منظم، ما يدفع أمانة العاصمة المقدسة إلى تنفيذ أعمال دورية لغسل الساحات وإزالة المخلفات ومتابعة مستوى النظافة في المواقع العامة.
تكتسب هذه الجهود أهمية خاصة في ظل الكثافة البشرية التي تشهدها مكة المكرمة، إذ تسعى الجهات المعنية للجمع بين العناية بالحياة الفطرية والالتزام بمتطلبات النظافة، ليبقى مشهد الحمام حاضرًا في ذاكرة المدينة ومتسقًا مع تطورها العمراني.






