تُعد الهجن وسباقاتها واحدة من أبرز الموروثات الحضارية التي تشتهر بها البلاد العربية بشكل عام والسعودية على وجه الخصوص، فهي تمثل رصيدًا تراثيًا يُذكر بماضي الأجداد، وزخرًا حاضرًا للزهو في المستقبل، فضلًا عن كونها قيمة مادية واستثمارًا مربحًا.
وكانت منطقة نجران، وبالتحديد محافظة شرورة وصحراء الربع الخالي، شاهدة على تطور هذه الرياضة العريقة، من كونها مجرد تدريبات وتهيئة للهجن للاعتماد عليها في الحروب ونقل البضائع والإنسان، إلى رياضة رسمية تمارس وفق آليات قانونية ولوائح واتحادات منظمة.
وفي أزمنه قديمة عادةً ما كانت تقام سباقات الهجن في المواسم ذات أجواء مناسبة، وتتولى القبائل والأسر تنظيمها، لاسيما القبائل والعائلات المهتمة بتربية "الإبل" للاستفادة منها في أغراض عدة، تقف على رأسها التجارة، والتفاخر والمفاخرة بها في المناسبات الاجتماعية كالأعياد، إلى جانب اتخاذها مطايا في السباقات.
وعلى المستوى المحلي، فمنذ تأسيس المملكة اعتمد الجيش السعودي على "الإبل" في الكثير من المعارك، التي خاضها لتوحيد البلاد، لاسيما مع ما اتصف به هذا الحيوان من صفات ميزته عن غيره من الحيوانات
ومن هذا المنطلق، كان للمملكة في هذا الصدد الكثير من المبادرات ذات العلاقة بالعناية والاهتمام بالإبل، ومنها دعم رياضة الهجن التي تأسست منذ وقت مبكر، وأسهمت منذ عام 1393هـ (1974م) في تطوير سباقات الهجن، لتحتل مكانة بارزة على مستوى السباقات في العالم.
وفي الوقت الذي تشهد فيه المملكة نهضة سياحية وترفيهية، واهتمامًا بارزًا بالتراث والأصالة، تطورت رياضة الهجن في الربع الخالي، وساعدها في ذلك الشغف الذي لدى أبنائه، إلى جانب ما تتميز به الصحراء من جمال في الطبيعة ساهمت بشكل كبير في تهيئة ميدان الهجن ليكون علامة بارزة في كبد الصحراء لتستضيف أطيب سلالات الإبل المشاركة في الهجن.
كما حظيت رمال الربع الخالي الذهبية بنهضة غير مسبوقة في هذا العهد الزاهر؛ حيث يعمل أبناء قبائل الربع الخالي على تقديم المزيد من البرامج الرياضية الحديثة واللافتة، التي يمكنها لفت نظر وانتباه واهتمام الشركات العالمية للاستثمار في هذه الطبيعة الخلابة، ما يزيد من فرص تقديم أكبر العروض في سباقات الهجن، لاسيما في مجال سباقات الهجن والرالي وتحدي رمال ثاني أكبر صحراء في الشرق الأوسط.
وعن أعداد الهجن المشاركة وطبيعة الميادين المحتضنة لهذه الرياضة، يوضح أحد ملاك الهجن ممن اعتادوا المشاركة بها في عديد السباقات عبدالعزيز الصيعري، أن أعداد الهجن المشاركة تختلف من ميدان إلى آخر، مستدلًا بـ "ميدان شرورة" الذي تصل عدد الهجن المشاركة في الشوط الواحد فيه إلى ٢٠ مطية، وعلى مسافات مختلفة، الأمر الذي يحتم على المشاركين تكثيف تدريبات الهجن وبصفة يومية.
وتطرق الصعيري إلى أنواع من سباقات الهجن، مثل (المفردة) التي تقام كل عام وتمتد إلى عامين في بعض المسابقات، إذا تنطلق وفق مسافات معينة، وتستمر في زيادتها ورفعها تصاعديًا وبصورة تدريجية حتى 2000 متر، والنوع الآخر يعرف بـ (الحقة)، وهو السباق الذي قد يمتد إلى ثلاثة أعوام، وعلى مسافات أطول بكثير من نظيرتها في سباقات (المفردة)، إذا تصل مسافات سباقات (الحقة) إلى ٤ كيلومترات.
بدوره، استعرض سليمان مسعد رميدان الصيعري أحد ملاك الإبل وواحد من المهتمين بهذه السباقات، أبرز مقومات المنطقة التي تجعل ميادين سباقات الهجن متميزة، إذ بدأت منذ وقت مبكر وكان دعم إمارة منطقة نجران، ومحافظة شرورة، ومجلس الفروسية في نجران، والاتحاد السعودي للهجن من أهم المحفزات التي أسهمت في وصول هذه السباقات إلى ما وصلت إليه.
وقال سليمان: "رياضة الهجن إحدى أهم الرياضات الجاذبة للسياح في الوقت الراهن، برغم بساطتها إلا أن أبناء قبائل الربع الخالي طالما أثبتوا قدرتهم من خلال سباقات الهجن على جذب أنظار العالم لمشاهدتها والعروض المصاحبة لها المستمدة والمعتمدة على طبيعة وبيئة المكان".
