Menu
محمد بن ملهي السحيمي
محمد بن ملهي السحيمي

أمن الأمن الفكري

السبت - 4 ذو الحجة 1441 - 25 يوليو 2020 - 04:03 م

نعيش هذه الأيام في أجواء ملبدة بالتسريبات والتقارير وخروج كثير من الوثائق والمستندات التي تكشف حجم الخيانة والمؤامرات التي تستهدف دول المنطقة، وللأسف كان أغلب المتورطين بهذه الأعمال المشينة هم من المنتسبين اسميًّا لهذه الدول وفكريًّا للجماعات المنحرفة!

وأبلغ وصف لحالة منطقة الشرق الأوسط التي تلتهب الآن على صفيح السياسات والمخططات الدولية، هي وصية الأمير نايف بن عبدالعزيز رحمه الله حين أوصى بهذه الأمانة: (نحن مستهدفون في عقيدتنا، نحن مستهدفون في وطننا؛ وأقول بكل صراحة دافعوا عن دينكم بكل شيء، دافعوا عن وطنكم، دافعوا عن أبنائكم، دافعوا عن الأجيال القادمة).

ومن البديهي -في ظل هذه الأجواء التي نعيشها- أن يكون التركيز على أمننا الفكري، وسأتطرق في هذا المقال إلى بعض المراحل التي مرت بها منظومة الأمن الفكري في السعودية، وخاصةً تلك المرحلة التي اختُطِفَت فيها هذه المنظومة من قِبل بعض التيارات المتطرفة. وبخصوص هذه المرحلة، كانت هناك عديد من التساؤلات المهمة التي كانت دون إجابات، ومنها: كيف تمكن تيار الصحوة من اختطاف برامج الأمن الفكري؟ وما هي الجهات التي كانت تحميهم وتدعمهم من خلف الستار؟ وللأسف لم تكن هناك إجابات واضحة في ذلك الوقت، ولا يوجد تفسير منطقي لكثير من الأمور التي كانت تحدث داخل منظومة الأمن الفكري. بعبارة أخرى، كانت هناك حلقات مفقودة في منظومة الأمن الفكريّ، ولهذا السبب ظلت هذه التساؤلات معلقة حتى إشعار آخر، وهذا ما حصل.

ولكن أغلب الشكوك كانت تدور في نقطة معينة وهي وجود أشخاص متنفذين يدعمون هذه التيارات بالخفاء، وهؤلاء هم من يوفر لهم الحماية ويمكنهم من عديد من البرامج والمؤسسات. وبكل تأكيد فإن هذه الجهات أو الشخصيات هي غير ظاهرة في العلن وما نشاهده من دمى تتحرك ما هي إلا أدوات تحركها من خلف الكواليس أيد مجهولة. ولا أقصد بذلك الشخصيات المعروفة التي كان لهم دور مكشوف في اختراق عديد من المؤسسات التعليمية وغيرها من المؤسسات والهيئات واللجان الشرعية.

الخطر الحقيقي هو وجود أشخاص مختلفون من حيث التخصص والمجالات التي يعملون بها (أقصد شخصيات أمنية وإدارية)، وأمثال هؤلاء ليس لهم أطروحات أو مشاركات تفضح توجهاتهم؛ لأنهم غير مهتمين بمثل هذه الأمور. لذلك هم يعملون في مجالات بعيدة كل البعد عن المجال الشرعي أو التربوي ويتقلدون مناصب ذات أهمية في أجهزة الدولة، ولكن لا تجد عليهم أثرًا بخصوص توجهاتهم الفكرية. وهؤلاء هم من أقصد بالحلقات المفقودة في منظومة الأمن الفكري، وهؤلاء هم من يدعم مثل هذه التيارات. ولكن تأكيد مثل هذه الشكوك كان مستحيلًا لصعوبة الحصول على مثل هذه المعلومات.

ولتقريب الصورة بشكل أوضح كان هناك نجم من نجوم الصحوة الإعلاميين في الثمانينات يطالب بتشكيل جيش الكعبة وحدد العدد بـ3 ملايين سعودي وتجهيزهم لمغامرات جديدة حسب منظوره الضيق وأفكاره المنحرفة. وبخصوص هذا الجيش طالب هذا (النجم الآفل) أن يكون أفراد جيش الكعبة من أئمة المساجد والقضاة الشرعيين والتركيز على هذه الفئات دون غيرها. وهنا يجب التوقف أمام تساؤل خطير: هل كان يلمح لشيء عن أفراد الشعب السعودي غير المتخصصين بالمجالات الشرعية؟

لا يهمنا الآن موضوع جيش الكعبة ولكن من المفارقات العجيبة أن هذا الصحوي كان عضوًا في لجان المناصحة!! وهذه اللجان كما يعرف الجميع هي متخصصة بالتوعية الفكرية من الأفكار المنحرفة. والسؤال المطروح الآن: ماذا كان يقول هذا الصحوي للشباب المغرر بهم؟ وهل كان يعلم الشباب كيفية قطع الرؤوس على الطريقة الإسلامية كما كان يردد في محاضراته ويشير بيده لطريقة الذبح.

ما سبق ذكره هو مجرد مثال صغير بالمقارنة مع حجم الطوام التي كانت تحدث في منظومة الأمن الفكري. ومنها على سبيل المثال برنامج (فطن) في وزارة التربية والتعليم، هذا البرنامج كان من أكبر البرامج المتخصصة في مجال الأمن الفكري، ومع ذلك أغلق بالكامل وسحب من كافة المدارس في مناطق المملكة بسبب النتائج الكارثية والمخرجات الصادمة لهذا البرنامج. والذي حصل، أن بعض المنتسبين للتيارات المتطرفة استطاعوا السيطرة على هذا البرنامج وتحويل مساره في الاتجاه المعاكس حتى أصبح من أخطر المهددات على الأمن الفكري السعودي.

الغريب والعجيب في مثل هذه التطورات، أن هذه الأخطاء كانت واضحة وضوح الشمس، ولا تخطئها العين، ولا يمكن لها أن تحدث دون وجود دعم خفي من الأشخاص الذين أشرت لهم سابقًا. وهذه التجاوزات الجريئة تثبت هذه الفرضيات.

ولكن الإجابات على هذه الألغاز أتت بشكل غير متوقع، حيث تفاجأ الجميع هذه الأيام بالأخبار المتداولة والتقارير المنشورة في وسائل الإعلام الدولية والمحلية عن تورط مسؤول أمني في قضايا تتعلق بفساد مالي وأخرى تمس أمن الدولة. ومن أخطر ما نشر من معلومات حتى الآن هي علاقة هذا المسؤول بجماعة الاخوان المسلمين المصنفة منظمة إرهابية في السعودية.

وتشير هذه التقارير إلى علاقات مشبوهة تربط هذا المسؤول الأمني مع العدو التركي أردوغان ورصد التقرير بعض الهدايا المقدمة لهذا الخائن، وهي عبارة عن فيلا سكنية في العاصمة التركية أنقره. ويشير التقرير أيضًا إلى وجود فيلا أخرى في مدينة سياحية في تركيا، وهذه تم شراؤها حسب التقرير بالأموال المنهوبة التي كانت مخصصة لمكافحة التطرف والإرهاب. وهذا المسؤول هو أحد الأشخاص المعروفين مسبقًا بمشاركتهم في إدارة هذه الملفات.

وحتى نربط المواضيع ببعضها ولمزيد من التأكيد، هناك بعض المعلومات تشير إلى أن النجم الآفل صاحب فكرة جيش الكعبة والمتخصص في قطع الرؤوس وعضو لجان المناصحة، تربطه صلة مصاهرة بهذا المسؤول الأمني الهارب الذي تتحدث عنه الصحف والأخبار هذه الأيام.

أتوقع أن الصورة أصبحت واضحة الآن، وإذا تأكدت هذه الأخبار المتداولة الآن نستطيع أن نقول بأننا حصلنا على بعض الحلقات المفقودة التي كنا نبحث عنها لتفسير ما كان يحدث سابقًا في منظومة الأمن الفكري ووجدنا أيضًا إجابة جيدة لكثير من التساؤلات التي كانت عالقة منذ سنوات.

نكتفي بما ذكر من أجزاء حول موضوع (أمن الأمن الفكري) وفيها تم إماطة اللثام بما يكفي للتنبيه بأهمية العناية بتأمين أمننا الفكري قبل أن نؤمن شبابنا من الأفكار المنحرفة. وهنا يجب التذكير أيضًا، أن الدعوات السرية كانت سببًا رئيسًا في دمار وانهيار كثير من الأمم السابقة.

وقبل الختام يجب ألا ننسى الإشادة بجهود القيادة السعودية في محاربة الفساد بكافة أشكاله وألوانه. والتي كان من ثمراتها كشف الغموض عن كثير من الألغاز التي كانت تحدث في منظومة الأمن الفكري.

فشكرًا للملك سلمان على هذا الحزم، وشكرًا لولي عهده على جهوده في مكافحة الفساد. والشكر موصول لأجهزتنا الأمنية التي أصبحت تمتلك خبرات متراكمة وكفاءة عالية في كيفية التعامل مع هذه التيارات ومعرفة أساليبها وأدواتها المعلنة والسرية. ويساندهم في ذلك ارتفاع درجة الوعي لدى أبناء الوطن بخطورة هذه التيارات وحجم الاستهداف الذي تتعرض له بلادهم.

وبخصوص أهمية التوعية من خطورة هذه التيارات أذكر الجميع بعبارة قالها أحد المتورطين بالعمليات الإرهابية في لقاء على إحدى القنوات التلفزيونية، وكان يتكلم عن تجربته مع الجماعات المتطرفة والتي اختصرها بهذه الكلمات: لو كان لدى جيلنا وعي كاف كما هو موجود الآن لما تم التغرير بنا من قبل هذه الجماعات.

حفظ الله بلاد الحرمين.. وأختم بدعاء الملك عبدالله بن عبدالعزيز رحمه الله: (الله يكفينا شر من به شر).

الكلمات المفتاحية