Menu


د. علي السويد

طوفان بومبادور والاستفهام الأخلاقي!

الأربعاء - 3 صفر 1441 - 02 أكتوبر 2019 - 10:41 م

لم تكن تعلم «دي بومبادور» عشيقة الملك الفرنسي لويس الخامس عشر أن هفوة لسان قد تخلق فكرة جامحة عنوانها الأنانية والجشع، ذلك بعد أن نطقت عبارتها الشهيرة: «أنا ومن بعدي الطوفان»!

لم يكتفِ الطوفان بخدمة العشيقين فحسب بل إنه أصبح سلاحًا فتاكًا في يد كل شخص يحمل ذات الجشع الكامن في صدر «بومبادور»!

مُذ نشأة العالم، ونحن وأسلافنا نأكل من كعكة فانية، كعكة تتناقص يومًا بعد يوم، كعكة قُدِّر لها أن تنتهي وأيدي البشر ممدودة في طبقها بحثًا عن ما بقي من فتات!

الأرض التي تُرضعنا من مائها وتُطعمنا من خراجها لا تملك أثداءً دائمة الدر، فهي فانية ومآلها النضب، وهذا واقع ملموس تثبته الدراسات الحديثة!

لا يقتصر فناء تلك الكعكة على المأكل والمشرب، بل إن للسلام والأمن جزء كبير في تكوينها، فالأرواح التي تُزهَق بشكل تصاعدي مع مرور الزمن بِفعل الحروب اللا منتهية أمر لا يغض له بَصَر!

وليس الأمن والمأكل والمشرب كل ما في تلك الكعكة، حتى الأكسجين الذي نتنفسه والبيئة التي نعيش في ظلها تتراجع خدمتها مع مرور كل ثانية، بفعل التقدم الصناعي الذي خلّف تلوّثًا بيئيًّا مهيب!

أما الطاقة ومصادرها، فهي خلطة أساسية لا تنضج الكعكة إلا بها، وليس سرًّا أن مخزون تلك الخلطة في تناقص مخيف!

هذه النظرة التي يُستحسن تسميتها بنظرة «تأمّل» لا «تشاؤم»، تترك لنا تساؤلًا أخلاقيًّا قد يكون محظورًا، تساؤلًا يقول: «هل سيلحق أبناؤنا ومن يتلوهم من أحفاد وأحفاد على ما تبقى من تلك الكعكة أم أن أيديهم ستعود من الطبق كما امتدّت خالية؟!».

ألا يمكن اعتبار هذا الأمر تجنّي على تلك السلالة التي سنسهم في تكوينها، ونحن نعلم حجم معضلة «الكعكة الفانية» التي ستواجههم؟

يُجاب هذا التساؤل بكلمات مُطَمْئِنة ترفُض حتى التفكير في القضية، محيلة الأمر كله لله تاركة منهج فعل السبب مرفوعًا؛ لتحث على السير بذات المسار الذي «وجدنا عليه آباءنا»!

إلا إن هذه الكلمات المطَمْئِنة قد تُقابَل بأصابع الاتهام، اتهام يُشير بأن في داخل كل شخص منّا "پومپادور" صغيرة تصرخ نيابة عن ألسِنتنا وتقول: أنا.. ومن بعدي الطوفان!

الكلمات المفتاحية