في كثير من الأسر السعودية الكبيرة، يقوم "صندوق الأسرة" على فكرة بسيطة: تجميع الزكاة والصدقات والهبات لمساعدة المحتاجين من منتسبيها، وأحيانا بمشاريع استثمارية تدعم استمراره. وقد يضم هذا الصندوق آلاف الأفراد، ما يجعله أقرب لكيان مؤسسي منه إلى ترتيب عائلي بسيط.
والمفارقة أن هذه الصناديق، رغم حجمها، تدار أحيانا دون توثيق كاف، بينما الأنظمة الرسمية تلزمها فعليا بإطار واضح: لائحة أساسية، ومجلس أمناء، وترخيص من الجهة المختصة. فغياب التوثيق لا يعني غياب المسؤولية؛ فالقائم على مال الغير يبقى مؤتمنا عليه، وعليه واجب الحفظ والإفصاح عند الطلب.
ومن أبرز التحديات العملية أن مصارف الزكاة والصدقة محددة شرعا، بينما تحتاج بعض الحالات لدعم لا يدخل ضمن هذه المصارف بدقة، كمعونة عاجلة لشخص غير مستحق للزكاة أو الصدقة، أو تمويل مشروع مستدام. وهنا تبرز أهمية الأنشطة الاستثمارية للصندوق، فعوائدها توفر مرونة في الصرف لا تتيحها أموال الزكاة أو الصدقة، كما تحل جزءا من إشكالية التمويل التشغيلي الذي يفترض ألا يقتطع من أموال الزكاة نفسها. ومن صور هذا الاستثمار دعم المشاريع الخاصة بأبناء الأسرة، بأن يدخل الصندوق كشريك بنسبة معينة، بما يضمن حوكمة أفضل لهذا المشروع، ويحقق في الوقت نفسه دخلا إضافيا للصندوق يعزز استمراريته.
ولا يقل عن ذلك أهمية سؤال الاستمرارية: كيف يحافظ الصندوق على كفاءته حين ينتقل من جيل إلى لآخر؟ فالجيل الأول يديره بدافع شخصي قوي، لكن هذا الدافع قد يضعف مع الأجيال اللاحقة إن لم يتم بناء الصندوق على نظام مؤسسي مستقل عن الأفراد: تدريب مبكر لمن سيتولى المسؤولية لاحقا، وتوثيق للقرارات يحفظ "الذاكرة المؤسسية"، ومراجعة دورية للوائح التي تواكب نمو الأسرة.
وهنا تكمن فرصة كبيرة غالبا ما تهدر: فأبناء الأسرة أنفسهم غالبا يضمون تخصصات متنوعة، محاسبين وقانونيين ومختصي استثمار وتقنية و أطباء وغيرهم. ولو استُثمرت هذه الكفاءات ولو بمبلغ رمزي لخدمة الصندوق، لارتفعت كفاءته دون تكلفة تذكر، ولتحول أبناء الأسرة من مستفيدين محتملين إلى شركاء فعليين في استمراره.
وفي النهاية، فإن صندوق الأسرة، مهما كبر حجمه أو حسنت نيّاته، يبقى بحاجة لأمرين لا غنى عنهما: توثيق واضح يحمي القائمين عليه من الشبهة ويحمي المستفيدين من الغموض، ومشاركة حقيقية من أبناء الأسرة أنفسهم، لا بصفتهم متلقين فقط، بل شركاء في استدامته عبر الأجيال.
