هناك عاملون وعاملات من المخلصين والمخلصات يقومون بأدوار ويحققون إنجازات في الميدان التعليمي تجعلنا عاجزين عن شكرهم. والشعور بالعجز أعلى مراتب الشكر. ولعل من أبرز محاسن برنامج تنمية القدرات البشرية الذي انطلق في 2021م أنه عزز ربط الطموح التعليمي بالأثر الملموس ليبرز هذه الجهود الجبارة بلغة الأرقام في التقارير الرسمية وفي المؤتمرات الصحفية: تأهيل 13 ألف معلم ومعلمة في مجالات الذكاء الاصطناعي وتطبيقاته، واستفادة 240 ألف كادر تعليمي من مبادرات التطوير المهني ضمن مظلة تنمية القدرات البشرية، وخدمة المنصة الرقمية لـ500 ألف من شاغلي الوظائف التعليمية. وهذا نوع من الدعم البعديّ لأهل الميدان.
ومع ذلك، الذي كان ينقص هذا التراكم المرتبط بالطموح هو الأداة القانونية القادرة على تحويله من توجّه عام إلى التزام قابل للمساءلة والتنفيذ الميداني المباشر، وهذا نوعٌ من الدعم القَبْليّ لأهل الميدان ليتكئوا على أرض صلبة أثناء قيامهم بعملهم. وهنا يقدّم نظام التعليم العام الجديد مثالًا دقيقًا وملموسًا لا يحتمل التأويل: على سبيل المثال، تمنح المادة الرابعة وزارة التعليم صراحةً صلاحية اتخاذ الإجراءات النظامية تجاه من يتسبب في حرمان الطفل من التعليم أو انقطاعه عنه، بالتنسيق مع الجهات المختصة. وهكذا ينتقل التعامل مع هذه الحالة من الاعتماد الغالب على الأدوات الإدارية والتوعوية إلى سند نظامي صريح ومحدد بالمادة، لا مجرد توجّه عام. ومن واقع العمل التعليمي، تبدو أهمية هذا النص أكبر من كونه مادة تُعالج حالة انقطاع؛ فالقانون لا ينجح بمجرد أن يمنح الجهة صلاحية التدخل، وإنما حين يجعل ترك المشكلة دون معالجة خيارًا يصعب تبريره.
هذا الانتقال في جوهره لا يُقاس بحجم النص، بل بوجود آليتي التنفيذ والمساءلة معًا — وهو ما توفره المادة الرابعة تحديدًا، والفكرة تنطبق على غيرها من المواد. ومع ذلك، يبقى السؤال العملي: هل ستُفعَّل هذه الصلاحية فعليًا على مستوى الميدان، أم تبقى نصًّا احتياطيًا نادر الاستخدام؟ وفي ظني أن مما يساعد على العمل بموجب هذه المادة استمرارية قياس عدد الحالات التي عولجت بعد وقوع الانقطاع، بل وينبغي أن يتحول إلى مؤشر وقائي: كم طفلًا معرضًا للانقطاع تم اكتشاف حالته قبل أن ينقطع أصلًا؟ فنجاح المادة الرابعة لا ينبغي أن يُقاس بقدرتها على التدخل بعد المشكلة، بل بقدرتها على منعها قبل وقوعها. وهكذا يكون الانتقال من قياس التدخل إلى قياس الوقاية. والكلام يسري على مواد عديدة في نظام التعليم العام الجديد.