في صباح الثلاثاء 5 أغسطس 2026، وعند الساعة 9:23، وبينما كنت أتابع برنامج «صباح العربية» على قناة العربية، استوقفني عنوان عريض على الشاشة "شو بدنا نأكل؟" فلم تكن المفاجأة في مضمون السؤال، بل في اختياره اللغوي، إذ رأيت أنه لا ينسجم مع الهوية المؤسسية لقناة عربية عابرة للحدود، يفترض أن تتبنى خطابًا لغويًا جامعًا يعكس رسالتها الإعلامية.
وقناة العربية ليست قناة محلية تخاطب جمهور مدينة أو دولة بعينها، وإنما مشروع إعلامي عربي عابر للحدود، يحمل مسؤولية بناء مساحة لغوية مشتركة يفهمها العربي في الرياض كما يفهمها في الرباط، وفي بغداد كما في الخرطوم، ولذلك فإن اللغة ليست مجرد أداة للتواصل، بل جزء من الهوية المؤسسية، وأحد أهم عناصر العلامة الإعلامية. فعليه فإن هوية المؤسسة الإعلامية لا يكون من شعارها، ولا من استوديوهاتها، ولا حتى من حجم جمهورها، وإنما تبدأ من الكلمة، فالكلمة هي أصغر وحدة في الاتصال، لكنها أكبر وحدة في بناء الهوية.
وهنا يبرز سؤال أكثر أهمية: من يدير اللغة داخل المؤسسات الإعلامية؟ هل يترك الأمر لاجتهاد المذيع، أو لثقافة فريق الإعداد، أم أنه جزء من استراتيجية الاتصال المؤسسي التي تُصاغ بعناية كما تُصاغ الرسائل الإعلامية والسياسات التحريرية؟ فاللغة في الإعلام ليست حيادية، بل تحمل دلالات ثقافية، وجغرافية، ونفسية، ورمزية. والمشاهد لا يتلقى الخبر فقط، بل يتلقى أيضًا الهوية التي تتحدث بها المؤسسة، ولهذا تمتلك المؤسسات الإعلامية العالمية أدلة تحريرية صارمة تحدد حتى المفردات المسموح بها، حفاظًا على شخصية المؤسسة واتساقها.
إنه في عصر الاتصال المؤسسي، لا تُبنى العلامة التجارية بالمحتوى وحده، بل بالاتساق، والاتساق يبدأ من اللغة. فعندما تتذبذب اللغة بين الفصحى واللهجات المختلفة دون فلسفة تحريرية واضحة، تتذبذب معها الشخصية المؤسسية. أما حين تكون السياسة اللغوية واعية ومقصودة، فإن كل كلمة تصبح استثمارًا في بناء الثقة، وترسيخ الهوية، وتعزيز المكانة. ولهذا فإن السؤال الحقيقي ليس: ""شو بدنا نأكل؟"، بل: "أي لغة نريد أن تمثل المؤسسة؟" لأن المؤسسات الكبرى لا تُعرَّف بما تقوله فقط، وإنما بالطريقة التي تختار أن تقوله بها. وهنا يكمن الفرق بين إعلام يكتفي ببث الرسائل، وإعلام يصنع هوية حضارية تمتد آثارها إلى الأجيال.
بقي القول، لقد نجحت قناة العربية خلال سنوات طويلة في بناء مكانة إعلامية مؤثرة، وأحد أسرار استمرار هذه المكانة هو المحافظة على اتساق هويتها المؤسسية، ومن هنا فإن مراجعة السياسة اللغوية ليست قضية شكلية، بل ممارسة استراتيجية تمس صورة القناة ووضوح رسالتها. فاللغة ليست مجرد كلمات تُقال على الهواء، وإنما هي قرار مؤسسي يعكس هوية المؤسسة، ويحدد طبيعة جمهورها، ويرسم حدود تأثيرها في الوعي العربي.
