صحيفة عاجل الإلكترونية
الرئيسيةمقالات الرأي
مقال رأي

اللوبيات والفراغ الاتصالي في المنظومة الرياضية

حسن النجرانيحسن النجرانيمتخصص في الإعلام والاتصال الإستراتيجي الدولي · الأحد 28 يونيو 2026

لم يكشف الخروج من كأس العالم عن أزمة فنية فحسب، بل عرّى خللاً أعمق في منظومة الاتصال المؤسسي بين وزارة الرياضة، واتحاد القدم، والأندية، واللاعبين، والإعلام، والجمهور. وقد بدا ذلك جلياً في فراغ اتصالي سمح بتشكّل روايات متضاربة، ولوبيات تروّج لقراءتها الخاصة للمشهد.

ففي الأزمات الرياضية لا تكمن المشكلة في الخسارة وحدها، بل في كيفية إدارة الرواية، وتدفق المعلومات، وبناء الثقة بين الأطراف. فالنجاح، كما يقال، له ألف أب، أما الفشل فيُترك غالباً وحيداً يبحث عن مسؤول يتحمل تبعاته

ولذا نقول إنه في الاتصال الرياضي في أي منظومة ناجحة ليس إعداد مؤتمراً صحفياً بعد المباراة للإيضاح والاستبيان، بل منظومة متكاملة تبدأ قبل اتخاذ القرار، وتستمر أثناء التنفيذ، ولا تنتهي إلا بعد تقييم النتائج. وعندما تغيب هذه المنظومة، تظهر فراغات معلوماتية يملؤها الاجتهاد، والإشاعات، وتسريبات القروبات، واللوبيات، فتضيع الحقيقة بين عشرات الروايات المتناقضة وهو قد نشاهده بعد خروج منتخبنا من كأس العالم الحالية.

واليوم يبدو أن كل طرف يتحدث بلغته الخاصة، فالوزارة تركز على السياسات، والاتحاد يدافع عن قراراته، والأندية تبحث عن مصالحها، واللاعبون يلتزمون الصمت، بينما يبقى الجمهور آخر من يعلم وأول من يُطالب بالصبر. هذه الفجوة الاتصالية أنتجت بيئة يتجه فيها النقد إلى الأشخاص بدلاً من تحليل القرارات، وتتحول فيها المحاسبة إلى اتهامات، ويختلط الرأي بالمعلومة، فتغيب المسؤولية المؤسسية.

وفي اعتقادي فالحل ليس في منع النقد وجلد المنتخب ومسؤوليه، بل في تنظيمه عبر بناء استراتيجية اتصال رياضي وطنية تقوم على الشفافية، والإفصاح المنتظم، والمؤتمرات الدورية، ونشر مؤشرات الأداء، وتوضيح الأهداف المرحلية، مع تحديد مسؤولية كل جهة داخل المنظومة. كما ينبغي إنشاء منصة موحدة للمعلومات الرياضية، بحيث يحصل الإعلام والجمهور على المعلومة الرسمية بسرعة، قبل أن تنتشر الروايات غير الموثقة.

ومن المهم أيضاً تطوير الاتصال الداخلي بين الوزارة والاتحاد والأندية، لأن أي خلل في التنسيق الداخلي ينعكس مباشرة على الرسائل الموجهة للجمهور. كما أن تدريب القيادات الرياضية والمتحدثين الرسميين على إدارة الأزمات والاتصال الجماهيري أصبح ضرورة لا خياراً.

إن الرياضة الحديثة تُدار بالبيانات كما تُدار بالمهارات، وتُبنى بالثقة كما تُبنى بالإنفاق. وعندما تتحول الشفافية إلى ثقافة، تصبح المساءلة أكثر عدلاً، والنقد أكثر مهنية، والجمهور شريكاً في التطوير لا خصماً للمؤسسات.

بقي القول، إن مستهدفات رؤية السعودية 2030 لا تقوم على تحقيق الإنجازات الرياضية فقط، بل على بناء مجتمع واعٍ يشارك في التطوير ويثق في مؤسساته خصوصا وان لدينا تنظيم لكأس العالم ٢٠٣٤. ولن يتحقق ذلك إلا بوجود منظومة اتصال مؤسسي تجعل الحقيقة تصل أولاً، وتحول النقد إلى قوة إصلاح، والمساءلة إلى أداة للتطوير، بعيداً عن الشخصنة، واللوبيات، وتبادل الاتهامات، حتى لا تتكرر الأخطاء ذاتها في كل بطولة جديدة.

شارك المقال
Xf
حسن النجراني
حسن النجراني

أستاذ جامعي | مستشار| متخصص في الإعلام والاتصال الإستراتيجي الدولي

كل مقالاته

مقالات أخرى