صحيفة عاجل الإلكترونية
الرئيسيةمقالات الرأي
مقال رأي

شيخوخة القيادات الصحفية .. وموت” الرياض" ورقيا ..!

حسن النجرانيحسن النجرانيمتخصص في الإعلام والاتصال الإستراتيجي الدولي · الإثنين 17 أغسطس 2026

تئن كثير من المؤسسات الصحفية السعودية تحت وطأة شيخوخة قياداتها، إذ يتجاوز متوسط أعمار بعض القيادات 45 عامًا، وهو ما قد ينعكس على سرعة التغيير ومرونة اتخاذ القرار، بدءًا من اختيار المادة الصحفية المنشورة، وصولًا إلى القرارات الاستراتيجية الكبرى التي ترسم مستقبل المؤسسة. فإذا كانت مادة صحفية واحدة قد تمر على محررين أو ثلاثة، وفق أهميتها وحساسيتها، فكيف بقرار تاريخي بحجم إيقاف النسخة الورقية لصحيفة «الرياض» والذي حدد بتاريخ ٢٤ اغسطس ٢٠٢٦؟

كم شخصًا شارك في صناعة هذا القرار؟ وكم لجنة ناقشته؟ ومتى بدأت فكرته؟ وكيف تطورت حتى وصلت إلى لحظة التنفيذ؟ وما المشاعر التي صاحبت أولئك الذين وضعوا توقيعهم على نهاية رحلة ورقية امتدت عقودًا؟. ليست مثل هذه القرارات سهلة، لأنها لا توقف مطبعة فقط، بل تطوي ذاكرة مهنية واجتماعية كاملة. لكنها في الوقت نفسه قد تكون جزءًا من قرارات مؤلمة وضرورية لمعالجة الأوضاع المالية، وإعادة بناء نموذج اقتصادي جديد للمؤسسات الإعلامية السعودية.

فالمؤسسات لا تنقذها العاطفة وحدها، كما لا ينقذها التاريخ مهما كان عريقًا، ما ينقذها هو قدرتها على اتخاذ القرار في الوقت المناسب، وأحيانًا، يكون أصعب قرار في تاريخ المؤسسة هو القرار الذي يمنحها فرصة للبقاء. ولنكون منصفين في زمن الرقمنة، فتوقف الورق هنا أو في أي صحيفة أخرى لا يعني موت الصحافة، فالذي انتهى هو الوعاء وليست المهنة. صحيح أن الورق غادر كثيرًا من تفاصيل حياتنا قبل أن يغادر الصحف، واختفى من معاملاتنا الحكومية، وتذاكر سفرنا، وفواتيرنا، وحتى من جيوبنا التي كانت تمتلئ بالأوراق والبطاقات، وحل الهاتف المتحرك محل أشياء كثيرة، وكان طبيعيًا أن يصل التحول إلى الصحافة.

وعليه فهذه ليست القضية التي ينبغي مناقشها، هل تبقى الصحيفة ورقية أم تصبح رقمية؟ القضية الأهم التي ينبغي على القيادات الصحفية التفكير فيها بجدية إن رغبوا ببقاء الصحافة هي ماذا ستقول الصحيفة؟ ولمن ستقول؟ وكيف ستصل إليه؟ وهنا يبدأ التحدي الحقيقي فالصحافة السعودية لا تحتاج فقط إلى تحديث منصاتها، بل إلى تجديد عقولها، وتشبيب قياداتها، وإعادة النظر في مفهومها للجمهور. فالمشهد الاتصالي اليوم موزع بين أجيال ومنصات وسلوكيات مختلفة، فمثلا سلوك جمهور «التيك توك»، يختلف عن سلوك جمهور «السناب شات»، والحال ينطبق على جمهور منصة «إكس»، فلكل منهم لغته وإيقاعه وطريقته في استهلاك المحتوى. ومن الخطأ أن تنظر قيادة صحفية إلى منصة واحدة، أو إلى «هاشتاق» عابر، ثم تعتقد أنها رأت الجمهور كله. ولهذا أقول: شبّبوا الصحافة قبل أن تشيخ مؤسساتها.

ولا يعني تشبيب الصحافة إقصاء الخبرة أو ربط الكفاءة بعمر محدد، فالخبرة ضرورة، لكن نجاح المؤسسة الإعلامية الحديثة يحتاج إلى مزج خبرة الأجيال السابقة بعقول شابة تعيش المنصات الجديدة، وتفهم تحولات الجمهور، وتعرف أن الصحيفة لم تعد منتجًا واحدًا يُدفع إلى الجميع بالطريقة نفسها. أما المشكلة الأكثر خطورة، فهي أن تتحول الصحيفة من البحث عن القارئ إلى البحث عن رضا المسؤول، أن تنشغل بما يعجبه، وبصورته، وزياراته، وسفره، أكثر من انشغالها بما يحتاج المجتمع إلى معرفته ومناقشته، عندها لا نخسر الورق فقط، بل نخسر وظيفة الصحافة ذاتها لأن المؤسسة الإعلامية الناجحة اليوم ليست الأقرب إلى مكتب المسؤول، بل الأقرب إلى نبض المجتمع التي تسأل قبل أن تمدح، وتفسر قبل أن تكرر، وتبحث عن القضية التي تصنع الترند وتجعلها قريبا من الجمهور.

بقي القول، إن الوفاة الطبيعية لصحيفة الرياض ورقيا ليست مشكلة فهذا أمر متوقع ولا يقلل من قيمة وتاريخ الصحيفة بل الأهم هو يقين القيادات الصحفية بأن الجمهور قد تغير ، وتغيرت أدوات الاتصال، وتغيرت صناعة المحتوى، ومن الطبيعي أن تتغير معها الصحافة وقياداتها وغرف أخبارها. وعليه لا أخشى على الصحافة من اختفاء الورق، فالورق مجرد منصة يمكن أن تحل محلها شاشة، ما أخشاه حقًا أن تتغير المنصة، بينما يبقى العقل الذي يديرها كما كان. إن الصحافة لا تموت عندما تتوقف المطابع، بل تبدأ في الموت عندما تتوقف عن فهم جمهورها.

شارك المقال
Xf
حسن النجراني
حسن النجراني

أستاذ جامعي | مستشار| متخصص في الإعلام والاتصال الإستراتيجي الدولي

كل مقالاته

مقالات أخرى