صحيفة عاجل الإلكترونية
الرئيسيةمقالات الرأي
مقال رأي

96 عاما من البناء.. كيف واكب التشريع السعودي مسيرة الدولة؟

صالح بن محمد السديسصالح بن محمد السديسمتخصص في القانون · الخميس 24 سبتمبر 2026

حين يحتفل الوطن بذكرى يومه الوطني، يتجه الحديث غالبا إلى إنجازات البنية التحتية والاقتصاد والتعليم وغيرها. لكن هناك مسيرة موازية، أقل حضورا في الاحتفالات، لا تقل أهمية عن أي إنجاز آخر: مسيرة بناء المنظومة النظامية والتشريعية التي واكبت كل مرحلة من مراحل نمو هذه الدولة، منذ توحيدها على يد المؤسس الملك عبدالعزيز بن عبدالرحمن -طيب الله ثراه- قبل 96 عامًا وحتى يومنا هذا.

فالاهتمام بالتنظيم لم يكن طارئا على الدولة السعودية الحديثة، بل رافقها منذ سنواتها الأولى. فقد شهدت العقود الأولى منذ تأسيسها صدور أنظمة مبكرة عُنيت بتنظيم القضاء والتوثيق، لتؤسس لفكرة جوهرية ظلت راسخة عبر العقود التالية: أن بناء الدولة الحديثة لا يقوم على التوسع الجغرافي والإداري وحده، بل يحتاج بالتوازي إطارا نظاميا يحكم هذا التوسع ويحفظ استقراره.

ومع مرور العقود، انتقلت الدولة من مرحلة الاستجابة للحاجة الحالية إلى مرحلة بناء الأطر المؤسسية الدائمة؛ فصدرت الأنظمة الكبرى التي أسست لعمل الدولة الحديثة في مجالات القضاء والإدارة والاقتصاد، لتضع بذلك الأساس الذي قامت عليه التحولات اللاحقة.

لكن المتأمل في تاريخ التشريع السعودي يلاحظ أن هناك نقطة تحول واضحة شكلت وثبة غير مسبوقة في وتيرة الإصدار التنظيمي، تمثلت في انطلاق رؤية المملكة 2030 عام 2016. فمنذ ذلك التاريخ، شهدت المملكة سلسلة واسعة ومتلاحقة من الأنظمة والتنظيمات واللوائح الجديدة، طالت تقريبا كل قطاع رئيسي في الدولة، من الاستثمار والشركات إلى العمل والتعليم والعقار، استهدفت جميعها بناء الهياكل المؤسسية التشريعية ورسم السياسات العامة وفق معايير حديثة. وهذا التحول وحده يختصر حجم المسيرة التي شهدتها المملكة: من إصلاح تشريعي تراكمي وبطيء الخطى، إلى تحرك تنظيمي شامل غيّر ملامح المنظومة القانونية بأكملها خلال سنوات قليلة نسبيا.

ولم يكن هذا التسارع عشوائيا أو منفصلا عن ضوابط الجودة التشريعية؛ فقد واكبته أدوات تحكم في طريقة إعداد هذه الأنظمة وصياغتها. فصدر دليل رسمي متخصص لإعداد التشريعات وصياغتها، إلى جانب تشكيل لجنة عليا معنية بالتشريعات القضائية تشرف عليها أعلى مستويات القيادة في الدولة. وهذا يعكس أن التوسع في عدد الأنظمة لم يكن على حساب دقتها أو انسجامها، بل صاحبه اهتمام مواز بضبط منهجية الصياغة نفسها، بما يضمن اتساق المنظومة التشريعية ككل رغم اتساعها السريع.

وفي تقديري، فإن أعظم ما يميز هذه المسيرة التشريعية الممتدة على مدى 96 عاما ليس فقط حجم الأنظمة الصادرة أو سرعة إصدارها، بل التحول الجوهري في وظيفة التشريع نفسه؛ إذ انتقل من أداة تنظم واقعا قائما وتستجيب لاحتياجات حالية، إلى أداة استباقية تشارك في صناعة مستقبل الدولة ورسم ملامحه قبل وقوع الحاجة إليه.

ولهذا فإن الاحتفاء باليوم الوطني ليس مجرد استذكار لذكرى التوحيد، بل مناسبة لاستحضار إنجاز مؤسسي حقيقي رافقه طوال هذه المسيرة: فخلف كل احتفال بالتوحيد، توجد مسيرة موازية من البناء النظامي، صنعت استقرار هذا الوطن واتساعه وازدهاره.

شارك المقال
Xf
صالح بن محمد السديس
صالح بن محمد السديس
كل مقالاته

مقالات أخرى