يرى بعض علماء الاجتماع أن الطقوس الجماعية تُنْتِج ما يُعْرَف بـ"الانفعال الجمعي": وهي لحظاتٌ تنصهر فيها الأنا الفردية في وجدانٍ جماعيٍّ واحدٍ، فتُبنى منها رابطة التضامن التي تحفظ تماسك المجتمع. وما نراه في مدارسنا بالمملكة العربية السعودية من اصطفاف صباحي ونشيد وطني ورفْع للعَلَم واحتفاء بالمناسبات الوطنية وغيرها من الطقوس الجماعية المحمودة هي آليات ناجحة بامتياز لغرس الانتماء لدى الأجيال.
إن احتفالات اليوم الوطني في مدارسنا ليست اجتهاداتٍ عابرةً، بل هي ترجمة لما ورد في سياسة التعليم بالمملكة. مثلًا، ترتبط أكثر من نصف أهداف المرحلة الثانوية -بشكل أو بآخر- بتعزيز الوحدة الوطنية. وهذا دليلٌ على أن الانتماء خيارٌ تربوي واعٍ لا عرَضي، شأننا شأن كثير من الدول حول العالم التي تجعل من أولوياتها غرس الانتماء في المدارس.
والشعوب الأكثر تعلُّقًا بأوطانها هي التي تجعل التعليم والإعلام يدًا واحدةً للقيام بعملية غرس الانتماء. فهذه أمريكا قد أكمل طلابها قَرْنًا من الزمان وهم يُرَدِّدون قَسَمَ الولاء صباح كل يوم دراسي. وتلك كوريا الجنوبية قد حَوَّلتْ الدراما التاريخية إلى مادة تربوية موازية تُعيد سرد ملحمة الاستقلال حتى يجتمع الجد والحفيد على مشاعر انتماء واحدة. أما سنغافورة فقد جعَلَتْ برنامج "التربية الوطنية" يتكون من محطات متتابعة طوال العام الدراسي تنتهي باليوم الوطني؛ وهذه كلُّها طقوسٌ تُعَزِّز "الانفعال الجمعي" حتى تغرس الانتماء.
إن ما تصنعه مدارسنا اليوم من فرحٍ وطنيٍّ هو رافدٌ لبناء الهوية؛ وفي ظل ما ننعم به -ولله الحمد- من تنمية شاملة وأثر يلمسه الكبير والصغير في مختلف المجالات، لعل الخطوة القادمة هي أن نستلهم من هذه التجارب الدولية توزيع هذه النجاحات على محطات متجددة، فتتحول اللحظةُ الواحدةُ إلى مسارٍ متصل، ويصير الاحتفالُ انتماءً راسخًا.
الأكاديمي والمستشار التعليمي د. عبدالرحمن علوي
@amaolwi