كل عام تصدر تصنيفات عالمية للجامعات، وتتصدر بعض جامعاتنا السعودية المشهد فيها بمراكز متقدمة، وهذا إنجاز يستحق الفخر فعلا. لكن يبقى سؤال بسيط يستحق التوقف عنده: هذا الترتيب العالمي اللامع، هل يعني مسؤول التوظيف حين يفتح سيرتك الذاتية؟
تخيّل معي خريجًا متفوقًا يحمل شهادة من جامعة مصنفة ضمن أفضل مائة جامعة في العالم، يتقدّم لوظيفة، فيسأله مسؤول التوظيف: ما الذي تجيده؟ وما خبرتك العملية؟ في تلك اللحظة، لن يسأله أحد عن ترتيب جامعته عالميًا. وهنا بالضبط تكمن الفجوة التي نتحدث عنها.
فهذه التصنيفات العالمية تُبنى غالبًا على أمور تخص البحث العلمي والنشر الأكاديمي: كم بحثًا نشرته الجامعة، وكم مرة استشهد بها باحثون حول العالم. وهذا مقياس جيد، لكنه يخص الجانب البحثي وحده. أما جودة التدريس داخل الفصل، ومدى استعداد الطالب لسوق العمل الحقيقي، فهذه أمور أخرى تمامًا، لا تدخل في حساب هذا الترتيب أصلًا.
ومع ذلك، فإن لهذه التصنيفات أهمية حقيقية لا يمكن إغفالها من زاوية الجامعة نفسها. فالترتيب العالمي يمنح الجامعة سمعة تفتح أمامها أبواب الشراكات البحثية مع مؤسسات دولية، ويجذب أساتذة وباحثين متميزين للانضمام إليها، كما يسهل عليها استقطاب طلاب من خارج الدولة يبحثون عن جامعة معترف بها عالميًا. وهذا التقدم ينعكس أيضًا على مكانة الدولة ككل في خارطة التعليم العالي، ويُعد مؤشرًا يُحتذى به أمام الجامعات الأخرى في المنطقة للارتقاء بمستوى أدائها البحثي.
لكن هذه الأهمية، على حقيقتها، تبقى موجّهة بالدرجة الأولى للمجتمع الأكاديمي والبحثي، لا لصاحب العمل الباحث عن موظف كفء. فصاحب العمل لدينا، حين يراجع طلبات التوظيف، نادرًا ما ينظر إلى ترتيب الجامعة عالميًا. هو ينظر إلى التخصص، والمهارة، والخبرة العملية، وربما سمعة الجامعة محليًا فقط. فالرقم العالمي شيء، ومعيار التوظيف على أرض الواقع شيء آخر، وقد يندر أن يلتقيان.
الجامعة تفتخر برقم يهم الأوساط الأكاديمية حول العالم، بينما يبحث سوق العمل لدينا عن شيء مختلف تمامًا. وكلاهما مهم في مكانه، لكن الخلط بينهما يعطينا صورة غير دقيقة عما تعنيه فعلًا «الجامعة الجيدة». فالجامعة المتقدمة في هذه التصنيفات ليست بالضرورة الأفضل في تخريج موظف جاهز لسوق العمل من أول يوم.
ولعل الأجدى أن ننظر إلى هذه التصنيفات كجزء من الصورة، لا كل الصورة. فالحكم الكامل على أي جامعة يحتاج إلى مقاييس أخرى أيضًا: رضا طلابها، وملاءمة برامجها لسوق العمل، ونجاح خريجيها فعليًا في وظائفهم. وهذا هو المعيار الذي يهمّ الطالب في النهاية، أكثر من أي رقم عالمي لامع.
