حين أحضر مجلسًا ويتجه الحديث إلى ما تشهده المنطقة من تطورات واستهداف للمدن والمنشآت المدنية، ألحظ حجم القلق الذي تتركه هذه الأحداث في نفوس البعض. وغالبًا ما أؤكد أن إدارة الملفات السياسية والعسكرية والأمنية مسؤولية مؤسسات الدولة، وأن قيادتنا حفظها الله تبذل جهودًا متواصلة لحماية الوطن واستقرار أمنه، فيما تبقى مسؤوليتنا كمواطنين مواصلة العمل والإنتاج والابتكار والدعاء بحفظ بلادنا.
ثم أنتقل إلى تفكيك الدور الذي تؤديه وسائل التواصل الاجتماعي في تضخيم المخاوف وكيف تعيد الخوارزميات إنتاج القلق عبر إغراق المستخدم بمحتوى يشبه ما يبحث عنه ويتفاعل معه، والمثير أن الحوار غالبًا ما ينتهي بقدر ملحوظ من الطمأنينة لدى الحاضرين. وهنا يبرز سؤال اتصالي واستراتيجي مهم: إذا كان حديث فرد قادرًا على تخفيف القلق، فكيف سيكون الأثر لو تحولت الطمأنينة المجتمعية إلى عمل اتصالي مؤسسي منظم تقوده الجهات الحكومية؟
وفي الأزمات، ندرك نحن المتخصصين في الإعلام والاتصال أن الخوف لا يدخل البيوت عبر الأحداث وحدها، بل قد تصنعه شاشة صغيرة تعيد إنتاج المشهد عشرات المرات، وتضع الحقيقة إلى جوار الإشاعة، والتحليل إلى جانب التخمين، حتى يجد الإنسان نفسه أمام حالة من الاستنفار النفسي تتجاوز أحيانًا حجم الوقائع ذاتها. وفي البيئة الرقمية، لا تكتفي الخوارزميات بنقل الأحداث، بل قد تسهم في تضخيم حضورها في الوعي الفردي والجمعي. وهنا تتجاوز مسؤولية الإعلام الحكومي مجرد نقل المعلومات إلى إدارة الوعي المجتمعي، وتفسير الأحداث، والمساهمة في حماية التوازن النفسي للناس.
ومن هذا المنطلق، أرى أن الجهات الحكومية الأكثر ارتباطًا بالحياة اليومية للمجتمع، كالصحة والتعليم والموارد البشرية، مطالبة بأن تجعل الاتصال في الأزمات جزءًا أصيلًا من منظومتها الاتصالية، لا مجرد استجابة ظرفية للأحداث. فالقلق استجابة إنسانية مفهومة، وقد حذرت منظمة الصحة العالمية من أن الإفراط في متابعة الأخبار قد يفاقم التوتر. ولذلك تستطيع وزارة الصحة إنتاج محتوى مرئي قصير يعزز الوعي النفسي، ويشرح كيفية التعامل مع القلق وتنظيم التعرض للأخبار، فيما يمكن لوزارة التعليم تمكين المعلمين والأسر من أدوات الحوار مع الأطفال، وحمايتهم من المشاهد الصادمة. أما وزارة الموارد البشرية، فيمكنها تعزيز ممارسات الاتصال الداخلي في بيئات العمل، بما يراعي الضغوط النفسية، ويدعم استقرار الموظفين وأسرهم.
وفي هذا السياق تقوم تلك الجهات بتطوير محتواها بما يتوافق مع سياساتها وأنظمتها في تعليم الناس حول كيفية التحقق من مصدر الخبر وتاريخه، واستخدام أدوات مثل الفيديوغرافيك يوضح إيقاف التشغيل التلقائي وكتم الحسابات المزعجة، ورسائل تشجع على تخصيص أوقات للمتابعة مع إبقاء التنبيهات الرسمية مفعّلة. ويجب أن يفسر هذا المحتوى كيف يمكن للتفاعل المتكرر مع المشاهد المخيفة أن يبقي المستخدم محاطاً بمحتوى مشابه، حتى يبدو له أن العالم كله لحظة خطر متصلة. ولكي تؤتي هذه الجهود أثرها، تحتاج الجهات إلى رسائل متسقة، ومتحدثين موثوقين، ورصد لأسئلة الجمهور، وقياس للفهم والسلوك، يتجاوز عدّ المشاهدات والإعجابات.
بقي القول، إن الطمأنينة ثمرة اتصال صادق ومنتظم، وحين تساعد المؤسسة الناس على متابعة الواقع دون استنزاف أنفسهم، يصبح إعلامها جزءاً من إدارة الأزمة وتصبح الثقة رصيداً يحمي قدرة المجتمع على مواصلة حياته، وهذا انعكاس لجودة الحياة التي تصدرها رؤية المملكة ٢٠٣٠ وكل وقت وبلدنا من تقدم إلى تقدم.
