تستحق وثيقة "المدارس المتكاملة" التي أعلنت عنها وزارة التعليم وقفةً متأنيةً؛ فهي لا تضيف برنامجًا تدريبيًّا، بل تعيد تعريف العلاقة بين المدارس نفسها، لتنتقل إلى تجمعات تتشارك الخبرات والمسؤولية.
ويُحْسَب للنموذج أنه ينطلق من الثقة بالقادة التعليميين في الميدان، ويجعل الغاية النهائية تحسين تعلم الطالب. وهذه إطلالة على تجارب دولية ذات صلة لنستفيد منها بما يراعي الأنسب لسياقنا الوطني:
خلال التسعينيات الميلادية، عملَتْ فنلندا على ترسيخ ثقافة مهنية جعلَتْ التعاونَ بين المعلمين يتجاوز الاجتماعات الرسمية إلى التخطيط المشترك للدروس وتبادل طرق التدريس وتحليل نواتج التعلم، في بيئة تقوم على الثقة المهنية بدلًا من الزيارات التفتيشية. كانت إرادةً ورعايةً للحوار المستمر بين أهل الميدان القريبين من الطلاب حول تحسين العملية التعليمية. وكذلك في سنغافورة في التسعينيات الميلادية، استُحْدِثَتْ تجمعاتُ مدارس يقودها مديرون متميزون، يتبادلون الخبرات ويقودون التطوير بصورة مستمرة، حتى صار المعلمُ يتعلم من المعلم الذي قضى ويقضي عمره داخل جدران المدارس، وأصبحت المدرسةُ نفْسُها تختار الأصلح لها ولطلابها.
ومع مطلع الألفية، قدَّمَتْ أونتاريو الكندية دليلاً حيًّا حين أنشأَتْ تجمعاتِ مدارس بناءً على الاحتياجات المشتركة الحقيقية لكل عددٍ من المدارس، فارتفعَتْ -على سبيل المثال- نسبة طلاب الصف السادس الذين حققوا نواتج التعلم من 54% إلى 70%، وكان ذلك متزامنًا مع سلسلة عمل على الاحتياجات المشتركة بين المدارس. وفي المقابل، وكذلك مع مطلع الألفية، لا يكاد يُذْكَر أثرٌ تعليميٌّ ملموسٌ لتجربة نيويورك الأمريكية حين جمعت المدارس على أسس إدارية أو جغرافية فحسب.
أما بريطانيا فاستفادت من تجمُّعات المدارس في دعم المدارس الأقل أداءً، وحقَّقَتْ نتائج إيجابية حقيقية حين منحت ثقةً صادقةً لأهل الميدان، بالرغم من وجود حالات انهيار لبعض التجمُّعات (أو الائتلافات) التعليمية. وكذلك في تشيلي أظهرت تجربة التطوير المهني نجاحًا تحت مظلة تجمُّعات المدارس حين كان التدريب من وإلى التجمُّع استجابةً لاحتياجات مشتركة يتحدث عنها المعلمون والمعلمات أنفسُهُم.
وعليه، فالدرس المشترك من التجارب الدولية هو الثقة في الميدان وتمكين القادة التعليميين قولًا وفعلًا ليتحركوا وفق احتياجاتهم المشتركة: الفكرة صحيحة، والأدوات موجودة، لكن النجاح يبدأ من استثمار الخبرات الميدانية لتُقاد عملية تطوير التعليم من داخل القاعة الدراسية ومن بين جدران مباني المدارس نفسها. هنا تكمن قوة وثيقة نموذج "المدارس المتكاملة". وللحديث بقية عن صناعة الأثر من الوثيقة إلى الميدان،،،