صحيفة عاجل الإلكترونية
الرئيسيةمقالات الرأي
مقال رأي

رحيل البليهشي .. حين تفقد المدينة جزءًا من ذاكرتها

حسن النجرانيحسن النجرانيمتخصص في الإعلام والاتصال الإستراتيجي الدولي · الثلاثاء 11 أغسطس 2026

رحل الصحفي الأديب المدني محمد بن صالح البليهشي رحمه الله، ورحلت معه جزء من ذاكرة ثقافية عرفت المدينة المنورة وعايشت أهلها واقتربت من تفاصيل مجتمعها وتحولاته. لقد كان رجلًا عظيما تغبرت قدماه طويلًا في ميدان التعليم، ثم مضى في دروب الثقافة والصحافة، قارئًا وكاتبًا ومتابعًا للناس وسيرهم وحكاياتهم.

لم أعرف البليهشي منذ زمن طويل لكنني كنت محظوظًا بأن جلست إليه مرات عدة، ربما أربعًا أو خمسًا، وكانت آخر زيارة قبل وفاته بفترة برفقة الصديق الرحالة عاتق الشريف، وفي كل زيارة كنت أخرج بشيء جديد: فكرة، أو حكاية، أو سؤال عن المدينة وثقافتها وأهلها.

كان يستقبلنا في منزله، وفي مجلسه تحديدًا، جالسًا على سريره، فنبدأ حديثًا يتنقل بين الثقافة والصحافة والكتابة والسير الذاتية والشخصيات التي عرفها أو تابعها. وكان يلفتني اهتمامه بالإنسان فيغوص في الشخصيات، ويتتبع تفاصيلها، ويبحث عما وراء الصورة الظاهرة.

في لقائنا الأول رأيت إلى جواره دفترًا يسجل فيه ملاحظاته، فاستأذنته في الاطلاع عليه، فقلبت صفحاته، فإذا بي أمام عقل لا يريد للأفكار العابرة أن تضيع فهناك ملاحظات، وهوامش، وخواطر، وأسماء وتفاصيل يلتقطها ويدونها أولًا بأول. عندها أدركت أن الكتابة لديه لم تكن فعلًا يبدأ أمام الورقة، بل حياة من الملاحظة والتقاط التفاصيل.

لكن أكثر ما بقي في ذاكرتي عنه قدرته العجيبة على الاستماع. كان يصمت حين تتحدث، لا لأنه ينتظر دوره في الكلام، وإنما لأنه يريد أن يسمعك حقًا. كان يصغي مستمتعًا لما يقوله الآخر، وهذه خصلة لا يمتلكها إلا من أدرك أن الثقافة ليست أن تتحدث كثيرًا، بل أن تعرف متى تنصت.

وكان كريم النفس والمجلس، فقبل أن يبدأ الحديث يقدم لك القهوة والتمرة، ثم يشرع أمام قلبك باب الحكاية والثقافة والمدينة. كنت حريصًا على الحديث معه عن ثقافة المدينة المنورة هذه المدينة التي تجمع أطيافًا بشرية وثقافية متعددة، وكنت أريد أن أراها بعيني رجل عاش تفاصيلها وعرف رجالها وتحولاتها.

بقي القول، رحم الله محمد بن صالح البليهشي، فلم تكن لقاءاتي به كثيرة، لكنها كانت كافية لأعرف أن بعض المثقفين لا تحتاج إلى سنوات لتكتشفهم فهم يأسرونك من اللقاء الأول، ويدخلونك عالمهم بهدوء، ثم يرحلون ويبقى شيء من حديثهم عالقًا في الذاكرة. لقد رحل البليهشي ، وبقي دفتره في ذاكرتي وكأن المثقف الحقيقي يعرف أن الأفكار عابرة تحتاج لمن يقيدها بسرعة وهو ما كان يفعله البليهشي رحمه الله.

أكاديمي ومستشار اتصالي

شارك المقال
Xf
حسن النجراني
حسن النجراني

أستاذ جامعي | مستشار| متخصص في الإعلام والاتصال الإستراتيجي الدولي

كل مقالاته

مقالات أخرى