حين سمعت لأول مرة بهجمات حماس على إسرائيل في السابع من أكتوبر من عام 2023، استغربت من سهولة اختراق حواجز الأمن والمراقبة التي أنشأتها إسرائيل حول قطاع غزة.
فالجدار الذي يعزل غزة عن العالم كلف مليارات الدولارات، ويراقبه جنود الجيش والاستخبارات على مدار 24 ساعة. يتضمن كاميرات رصد حرارية، وأجهزة إنذار إلكترونية، ومنصات مراقبة بصرية، ورادارات تكشف التحركات البشرية في شوارع غزة، وهذا غير الأسلاك الشائكة، والدوريات التي تعمل على مدار الساعة.
كانت الميادين والشوارع الرئيسية في غزة مكشوفة لأعين الجنود الذين يتناوبون على رصدها بالمناظير المقربة، لدرجة أن هناك مقاطع موثقة لجنود إسرائيليين يتحدون بعضهم لقنص أطفال يلعبون كرة القدم من مسافة بعيدة.
هناك شهادات كثيرة لمجندات إسرائيليات من وحدة المراقبة (نشرت عنها مقالًا خاصًا قبل يومين تقريبًا) رفعن تقارير متكررة عن تحركات مشبوهة لحماس بدأت قبل الهجوم بعدة أشهر، حتى ساعة واحدة قبل اقتحامهم للسور.
وهناك مقطع مشهور لجندية تدعى إفرات فينيغسون (Efrat Fenigson) تقول فيه إنها خدمت في قوات الاستخبارات الإسرائيلية منذ 25 عامًا، وتقول إنه بحسب خبرتها يستحيل حدوث اختراق بهذا الحجم، لأن الحاجز مزود بعدة طبقات للإنذار المتقدم، لدرجة لو أن قطة (بحسب تعبيرها) سارت بقرب السياج لتسبب ذلك في تفعيل كافة الأنظمة:
“A cat moving alongside the fence is triggering all forces.”
ولكن، رغم كل هذا، عجزت إسرائيل عن رؤية آلاف العناصر التابعين لحماس وهم يتجاوزون الجدار الفاصل من عدة أماكن، في ذلك اليوم بالذات.
وهذه المفارقة بالذات هي التي أثارت استغرابي، وجعلتني أفترض أن إسرائيل هي ذاتها كانت متواطئة، أو على الأقل تجاهلت عمدًا كافة التحذيرات من أجل تدمير قطاع غزة، وتغيير الوضع الجيوسياسي في المنطقة!!
يصعب على أي مُطّلع التفكير بأي احتمال آخر، لأن إسرائيل التي فجرت أجهزة البيجر في جيوب حزب الله..
وإسرائيل التي علمت بموقع إسماعيل هنية في مخبئه السري في قلب طهران..
وإسرائيل التي علمت بموعد اجتماع المرشد الإيراني خامنئي مع كبار المسؤولين وقضت عليهم جميعًا..
وإسرائيل التي علمت بموعد اجتماع أعضاء حماس في قطر فأرسلت عليهم صواريخ بعيدة المدى..
وإسرائيل التي علمت بدخول زعيم حزب الله إلى مخبئه السري تحت الأرض وفجرته فوق رأسه..
فشلت في رؤية عشرات العناصر من منظمة حماس وهم يتدفقون باتجاه حدودها، رغم كل الكاميرات وأجهزة الرصد والمراقبة المتقدمة فوق جدار غزة.
الحقيقة هي أنها تجاهلت كل التقارير التي تؤكد وجود تحركات عسكرية مريبة لحماس (والتي قدمت لها من وحدة المراقبة المكلفة بهذه المهمة). أضف لهذا تجاهل نتنياهو تحذيرات سبقت الهجوم (من دولتين عربيتين أتحفظ على ذكر اسمهما) وحذرته من نية حماس القيام بعملية عسكرية واسعة.
واليوم، حين نراجع تسلسل الأحداث في السابع من أكتوبر 2023، نكتشف أن إسرائيل لم تتجاهل فقط تدفق عناصر حماس عبر الجدار العازل، بل ومنحتهم ساعات إضافية لقتل وأسر عدد من جنودها ومواطنيها المدنيين. وحين بدأت أخيرًا بالرد، قصفت الأماكن التي تم أخذ الأسرى الإسرائيليين إليها، تفعيلًا لمبدأ "هانيبال" الذي يجيز التضحية بالمدنيين مقابل تحقيق أهداف عسكرية عليا.
وسواء كان هناك تواطؤ أم تجاهل أم فشل استخباري، من الواضح أن إسرائيل حققت مرادها، حيث دمرت 70% من قطاع غزة، وفرضت واقعًا جديدًا، واستغلت ظروف الحرب الجديدة لقصف 5 دول عربية أخرى - بالإضافة إلى إيران.
وقبل أن نختم مقالنا هذا دعونا نستعرض أهم الأسئلة الموازية، على الجانب الآخر:
كيف شربت حماس هذا المقلب؟
وإلى متى كانت تتوقع الصمود أمام سلاح الجو الإسرائيلي؟
وكيف راهنت على عدم قيام إسرائيل بالرد والانتقام وإبادة المدنيين والأطفال؟
هل كانت هي أيضًا متواطئة، أم أنها كانت فقط غبية وساذجة إلى حد يصعب تصديقه؟
أتمنى من كل قلبي أن تكون فقط غبية وساذجة.