صحيفة عاجل الإلكترونية
الرئيسية‹مقالات الرأي
مقال رأي

من يقود قطار الطاقة النظيفة؟ وضوح في الهدف وتشتت في التفاصيل

صالح بن محمد السديسصالح بن محمد السديسمتخصص في القانون · الجمعة 9 أكتوبر 2026

تخيل شركة طموحة، تملك فكرة واعدة في مجال الطاقة النظيفة، وتريد أن تبدأ مشروعها في المملكة العربية السعودية. من أين تبدأ؟ ومن تخاطب أولا؟ هذا السؤال البسيط، الذي قد يبدو سهلا للوهلة الأولى، يُخفي خلفه قصة أعمق تستحق التوقف عندها.

فالمملكة تسير بخطى واضحة نحو مستقبل أكثر اعتمادا على الطاقة النظيفة، وتقود وزارة الطاقة هذا التوجه بدور فعال ومحوري، من خلال وضع السياسات العامة للقطاع، والإشراف على استراتيجياته وخططه بالتنسيق مع الجهات الأخرى ذات العلاقة. وهذا جهد يستحق الإشادة فعلا. لكن يبقى سؤال يستحق التوقف عنده: هل تسير كل الأطراف المشاركة في هذا الملف بنفس الانسجام والوضوح الذي تقوده وزارة الطاقة على المستوى العام؟

فالشركة التي تريد تنفيذ مشروع طاقة نظيفة، لا تتعامل مع جهة واحدة فقط رغم دور وزارة الطاقة القيادي والمهم. فبجانب الوزارة، تدخل الهيئة السعودية لتنظيم الكهرباء لإصدار التراخيص التشغيلية، وهيئة المواصفات والمقاييس والجودة للتأكد من سلامة المعدات، وأحيانا جهات بيئية وبلدية بحسب موقع المشروع. وكل جهة من هذه الجهات لها دور مهم ومبرر فنيا، لكن حين تجتمع كلها على مشروع واحد، قد تطول رحلة الترخيص أكثر مما يتوقع المستثمر.

والسؤال العملي الذي يواجه أي شركة في هذه الحالة هو ماذا لو اشترطت جهة شيئا، واشترطت جهة أخرى شيئا مختلفا لنفس المشروع؟ من يحسم هذا التعارض؟ فبينما تضع وزارة الطاقة الإطار العام والسياسات الكلية بوضوح، فإن التنسيق التفصيلي اليومي بين الجهات المنفذة قد لا يكون بنفس السلاسة دائما، ما يجعل بعض الشركات، خصوصا الصغيرة منها، تجد صعوبة في معرفة أي جهة تخاطب أولا، وما الترتيب الصحيح للإجراءات.

ومن الأمثلة الواقعية على هذا التحدي: حين يظهر قطاع جديد وواعد كالهيدروجين الأخضر، نجد أن التعامل معه يتم أحيانا بقرار مباشر يمنح شركة واحدة فرصة حصرية للعمل فيه، بدل وضع قواعد عامة واضحة تتيح لأي شركة مؤهلة معرفة كيف تدخل هذا المجال بنفسها. وهذا النهج قد يكون عمليا وسريعا في المرحلة الأولى، لكنه يترك بقية الشركات في حيرة: متى يأتي دورها، وما الشروط التي عليها استيفاؤها؟

وفي المقابل، هناك نموذج ناجح يستحق الإشادة والتوسع فيه، فبعض جوانب هذا القطاع نظمت بدقة عالية، كاللائحة الخاصة بأنظمة الطاقة الشمسية الصغيرة، والتي وضعت شروطا واضحة للسلامة والجودة يعرفها كل من يريد العمل في هذا المجال مسبقا. وهذا يثبت أن وضع قواعد واضحة ومعلنة للجميع أمر ممكن وقابل للتطبيق، وأن الأمر يحتاج فقط إلى تعميم هذا النهج على بقية جوانب القطاع.

في رأيي، إن الفرص الكبيرة التي يحملها هذا القطاع لن تتحول إلى نمو حقيقي ومستدام إلا حين تتحول جهود وزارة الطاقة القيادية على المستوى الاستراتيجي، إلى تنسيق أكثر سلاسة على المستوى التنفيذي اليومي بين كل الجهات المعنية. فكلما وضحت الطريق أمام أي شركة راغبة في الدخول لهذا المجال، دون الحاجة لانتظار قرار خاص بها أو التنقل بين جهات متعددة بلا خارطة واضحة، كانت فرصة نجاح هذا القطاع أكبر، وكان استقطاب الشركات المحلية والعالمية إليه أسرع وأسهل. وكم أتمنى أن أكون مخطئاً في مقالتي هذه.

شارك المقال
Xf
صالح بن محمد السديس
صالح بن محمد السديس
كل مقالاته

مقالات أخرى