صحيفة عاجل الإلكترونية
مقالات الرأي

مقال رأي

نُعلم أبناءنا المعادلات ونتركهم يوقعون العقود وحدهم!

تخيل شابا في العشرين من عمره، تخرج للتو، وجاءته أول وظيفة. ثم وضعوا أمامه عقد العمل وقالوا له: وقع هنا. قلّب الصفحات سريعا، وقال لنفسه إن الشركة محترمة وإن الأمور على ما يرام، ثم وقع. وفي تلك اللحظة التزم بأمور كثيرة لم يقرأها.

هذا المشهد يتكرر كل يوم، مع عقد الإيجار، وعقد التمويل، وشروط التطبيق الذي نضغط فيه زر الموافقة دون تفكير. والغريب أن هذا الشاب قضى سنوات طويلة في المدرسة والجامعة يتعلم المعادلات والنحو والتاريخ، ثم وجد نفسه أمام أخطر ورقة في حياته وحده.

والقانون يحمي من يعرفه. فمن لا يعلم أن له حقا لن يطالب به، ومن لا يحتفظ بما يثبت حقه قد يعجز عن الدفاع عنه حين يحتاج إليه، ومن لا يعرف أين يشتكي قد يسكت. وليس السبب سوء نية عند أحد، بل أن المعرفة جاءت بعد الحاجة إليها.

وهنا تظهر الفجوة. فحضور القانون في مقرراتنا محدود، ويأتي في الغالب إشارات عابرة ضمن مواد أخرى، دون أن يصل إلى الجانب العملي الذي يحتاجه الطالب في أول أسبوع من حياته الجديدة: كيف يقرأ عقدا، وماذا يعني التوقيع، وكيف يوثق ما بينه وبين غيره، وإلى من يلجأ إذا اختلف الطرفان وماذا يهمه في مواد قانون الإثبات وغيره. وهي مساحة لم تستثمر بعد، بل تفرضها كثرة العقود في حياتنا اليومية.

وما يحتاجه الشخص لا يتطلب منهاجاً قانونيا ثقيلا. يكفيه أن يعرف أن التوقيع التزام، وأن المكتوب هو ما يرجع إليه عند الخلاف، وأن الرسائل والإيصالات والإشعارات قد تكون دليله أو دليل خصمه، وأن لكل خلاف طريقا نظاميا يستحق أن يعرفه قبل أن يحتاج إليه.

والمسؤولية هنا مشتركة. فالأسرة تستطيع أن تعلم أبناءها أن يقرؤوا ما يوقعون، والمدرسة تستطيع أن تفتح لهذه المهارة بابا، والجامعة والإعلام ومن يكتب في القانون يستطيعون أن يبسطوا هذه المعرفة للناس. وأن يعي الشخص بأن مدارسة القانون تقع على عاتقه بالدرجة الأولى فليحرص على الاطلاع بما يستجد في علم القانون، كي لا يقع ضحية جهل في النظام.

وما أخلص إليه أن الغاية ليست أن نُخرج جيلا من المحامين والقانونيين، بل جيلا من المتعاقدين يعرفون ما يوقعون عليه. فمن تعلم أن يقرأ قبل أن يوقع، حفظ حقه قبل أن يحتاج إلى من يدافع عنه.

شارك المقال
صالح بن محمد السديس

متخصص في القانون

صالح بن محمد السديس

كل مقالاته

تابع القراءة

مقالات أخرى